بـقـلـم : أغيلاس
يحكي عميد كلية أمريكي أن أربعة طلاب متفوقين بجامعة أمريكية مرموقة، كانوا على موعد مع اختبار مصيري، و قبل يوم الامتحان تورطوا في السهر بحفلة حتى الصباح، و حضروا متأخرين إلى موعد الامتحان و ملابسهم في غاية الاتساخ، و أخبروا رئيس الشعبة أن أحد إطارات السيارة انفجر بهم و هم في الطريق إلى الجامعة، نقل رئيس الشعبة الخبر إلى عميد الكلية الذي تقبل الرواية و تعاطف معهم و أمر بتأجيل الامتحان، و أخبرهم أنهم سيمكنهم من فرصة أخرى بعد أربعة أيام، الأمر الذي استغله الطلبة و عكفوا على الاستعداد الجيد و يوم الامتحان، قام عميد الكلية بوضع كل طالب من الأربعة في فصل منعزل عن البقية، و وضع في ورقة الاختبار سؤالين فقط : من كان يقود السيارة ؟ و أي الإطارات الذي انفجر أثناء الرحلة؟
يقول العميد : ورطة الطلبة و الإحراج الذي عانوه بقية السنة مع رئيس الشعبة تسبب لهم في مآسي كبيرة و كانوا لينجحوا لو أنهم صارحوه بما جرى…، نفس الإحباط و الإحراج هو ما تغرق في ثناياه قيادتنا التي ابتكرت لنا أكاذيب لا حصر لها لتضليلنا عن الحقيقة، كل تلك الأكاذيب كانت تتضمن روايات ركيكة و سهلة الكشف، حتى أن كل الشعارات انقلبت إلى أضدادها، و مع أول اختبار حقيقي خسرنا كل شيء، و بعدما روجت لـ “سنة الحسم” التي تحولت إلى “سنة الحشم”، و أبدعت لنا فرية “الأراضي المحررة” التي أصبحت سوط تجلد به القيادة أمميا، و لم تتوقف عن تكرار عبارات عزلة المحتل المغربي الدولية إلى أن رأيناه ينشر ألوان أعلام العديد من دول الإتحاد الإفريقي و العربية في مدينتي العيون و الداخلة المحتلتين، و بتنا نخشى أن ينقل الإتحاد الإفريقي مقره إلى الرباط، نفس القيادة أوهمتنا أن الكركرات أصبحت ضمن النفوذ الصحراوي و أن التفكير أصبح أبعد و يخص المشاريع البحرية الصحراوية و أن الجيش الجزائري سيحمي ظهورنا، لكن الرباط كان لها رأي آخر، و خرج جيش الاحتلال ليسطو على المنطقة بأقل جهد و البقية العالم يعرفها…، و أصبحنا مستملحة تحكيها صحف العالم…
كان لزاما علي أن أذكر بكل هذه النكسات التي قادتنا إليها القيادة الصحراوية، لأن “الاعتراف الأمريكي” ترك في قلوبنا غصة لا نستطيع تحملها و نحتاج أن نحاسب هذه القيادة على النتائج الكارثية لعل الأمر يطفئ جمر الغضب فينا…، قبل الخوض في موضوع الأنبوب النيجيري الذي لا يمكن فصله عما يحدث و يجري من تطورات تحيط بالقضية الصحراوية و تخضعها للأمر الواقع، ذلك أن المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا “سيداو” CEDEAO قررت في اجتماعها الاقتصادي مؤخرا تبني مشروع الأنبوب النيجيري – المغربي، و اعتماد دراسته التي قالت المجموعة خلال اجتماعها أنها تتماها مع الأهداف التنموية للمجموعة، خصوصا على المستوى الطاقي.
المشكلة ليست في تبني المجموعة الاقتصادية لغرب إفريقيا و لا في إخضاع المشروع للدراسة التمويلية، من أجل وضع تصور نهائي للمشروع الذي قد يبدأ في لاغوس و ينتهي في لندن و يخترق عدد كبيرا من البلدان الإفريقية و الأوروبية، بل في التأثيرات الجيوسياسية لهذا الأنبوب التي ستغير وجه المنطقة اقتصاديا، لأن المشروع يسعى مهندسوه إلى خلق سوق طاقية غرب إفريقية تكون المحرك الأساس للإقلاع الاقتصادي، و سيكون الجزء الذي يصب في العواصم الأوروبية مهمته تعويض الغاز الجزائري الذي بدأ إنتاجه يتراجع، و أصبحت الدول الأوروبية تشتكي من غلائه و ضعف جودته، خصوصا بعد السمعة السيئة التي اكتسبتها شركة سوناطراك جراء فضيحة شركة الطاقة اللبنانية التي كانت تبيعها الجزائر نفايات بترولية سائلة على أنها محروقات، و تسببت لشركات الطاقة بميناء بيروت المنكوب في خسائر بملايين الدولارات.
الشكل الذي تم به الاجتماع في العاصمة البوركينابية، واكادوكو، بتاريخ 09 و 10 ديسمبر يعيد العارفين بأحداث التاريخ إلى زمن بدايات الإتحاد الأوروبي، حين بدأ الإتحاد الأضخم في العالم بتأسيس الجماعة الأوربية للفحم و الصلب (ECSC) ، و التي ستتطور لاحقا إلى الإتحاد الذي عليه أوروبا اليوم، أي أن مجموعة الغرب الإفريقي تقود بثبات القارة اليائسة إلى الوحدة و التكتل الذي قد يكون عصر النهضة…، هذا فيما يخص الجانب المشرق للمشروع، لكن الجزء المظلم منه و الذي سيؤثر على قضيتنا الصحراوية و يكون من أسباب أزماتها المستقبلية، سيمتد ضرره إلى الاقتصاد الجزائري الذي يعاني الصدمة…، و يكمن في الأبعاد السياسية لهذا الربط.
فالجزائر ظلت إلى الأمس القريب تضمن مواقف متوازنة من الدول الأوروبية في صراعنا مع المحتل المغربي، لكن مع تخلص أوروبا من الغاز الجزائري بشكل تدريجي و تعويضه بالغاز الروسي و الأمريكي الرخيص الثمن، بوجود مشاريع مستقبلية للغاز التركي المكتشف بالمتوسطي بدأت عقوده في التوقيع، و إمكانية ربطه مع الأنبوب الروسي لتطعيم أوروبا، أصبح الأوروبيون يتحررون من الالتزامات الجزائرية، و يتخندقون إلى جانب الرباط، و الجزائر لم تعد تستطيع التأثير في القرار السياسي لدول الإتحاد، و الدليل أن البرلمان الأوروبي جلد الجزائر باللائحة الأخيرة التي فتحت أرشيف حقوق الإنسان بعد محاولة من قصر المرادية الضغط على السواحل الأوروبية بأمواج المهاجرين السريين.
و رغم أن الجزائر حاولت محاربة هذا المشروع و دفع خطره على الاقتصاد الجزائري بعد زيارة وزير الخارجية الجزائري “بوقادوم” إلى العاصمة النيجيرية لإقناع الرئيس النيجيري “محمد بوخاري” من أجل إلغاء الاتفاق مع المغاربة، و إعادة إحياء و بعث المشروع القديم للربط بين نيجيريا و الجزائر بأنبوب يخترق دولة مالي و الصحراء الجزائري، غير أن الأمر حسب مصادر إعلامية نيجيرية و مالية شبه مستحيل، و كل ما حصل عليه “بوقادوم” هو رفض طلب إلغاء مشروع الربط عبر مجموعة الغرب الإفريقي، لأنها المنطقة الأكثر أمانا في الساحل و الصحراء و المعبر المضمون للأنبوب، فيما نظيره (الأنبوب الجزائري) سيخترق مناطق غير آمنة، تنشط فيها الحركات الإرهابية التي تقول التقارير الإعلامية بأن الجزائر كانت إلى الأمس القريب سببا في انتشارها و تمكنها من المنطقة و نشر عدم الأمان بها، و تعزي الدراسات ذلك إلى سياستها الأمنية خلال العشرية السوداء.
الوضع كما يبدو في طريقه للتأزم أكثر، مع تطور الأحداث و توسع دائرة الأزمة الاقتصادية في الجزائر و التي لها تأثيرا عموديا على قضيتنا، لأن فقدان الجزائر للتأثير الاقتصادي على الدول الأوروبية و حتى على الدول الإفريقية يعني التحول من وضع الدولة القطب إلى دولة تابعة، مع وجود دراسات للبنك الدولي و أخرى لمنظمة التجارة العالمية تقول بأن المغرب اقتصاديا، سيتحول بعد انجلاء أزمة كورونا إلى قطب اقتصادي في شمال إفريقيا و منطقة البحر الأبيض المتوسط.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك