بـقـلـم:بن بطوش
يبدو أن ثمة أمور تحدث في عمق العلاقات المغربية – الجزائرية، و أن مبعوث الخارجية الأمريكية، “جوشوا هاريس”، تعرَّف جيدا على أطراف النزاع و يعي خطورة مهمته، و أن ردة فعل النظام الجزائري و هو يتهم الرباط بخدمة الأجندة الإماراتية – الإسرائيلية مقابل أموال البترو- دولار تؤكد بأن هذا المسؤول الأمريكي قد وضع قصر المرادية بين خيارات صعبة جدا؛ ذلك أنه و بعد حواره مع الإعلام الجزائري كتبت بعض الجرائد الجزائرية بأن مساعد وزير الخارجية الأمريكي أخبر المسؤولين الجزائريين بدعم واشنطن لتقرير مصير الشعب الصحراوي، و أن كل الجهود الأممية تقود إلى هذا الأمر، و أنه اقترح على الجزائر القيام بعملية استفتاء وسط اللاجئين الصحراويين على أراضيها و تضمين هذا الاستفتاء ثلاثة خيارات؛ أولهما الاستقلال و ثانيهما البقاء تحت سيادة الرباط و ثالثهما القبول بمقترح الحكم الذاتي، و أضاف الإعلام الرسمي الجزائري بأن نائب وزير الخارجية الأمريكي متناغم مع الرؤية الجزائرية التي تقول بأنها مع استقلال الشعب الصحراوي.
ما نُشر في جريدتي “الخبر” و “الشروق” و على منصات “النهار” الإلكترونية، دفع بالدبلوماسي الأمريكي لمسارعة الزمن و عقد لقاء مع الإعلام الأمريكي كي يشرح بشكل لبق و دبلوماسي أن كلامه تعرض للتحريف و التعديل، و أن الإعلام الجزائري لم ينشر كلامه بالأمانة الصحفية المطلوبة، و خصّ جرائد أمريكية كبيرة بتفاصيل اللقاءات التي عقدها مع القيادات في الجزائر، حيث نشرت الصحف الأمريكية أن “جوشوا” أبلغ النظام الجزائري أن الإدارة الأمريكية تدعم مخطط الحكم الذاتي و أن موقفها لم و لن يتغير، و أن خيار الاستقلال غير واقعي و غير ممكن الحدوث.
و أضافت الصحف الأمريكية أن”جوشوا” لم يذكر في لقائه مع الإعلام الجزائري و مع المسؤولين الجزائريين مصطلح “تقرير المصير”، في إشارة من الإعلام الأمريكي أن هذا الخيار أصبح خارج حسابات تصفية ملف الصحراء الغربية، كما لمح الإعلام الأمريكي إلى أن النظام الجزائري منزعج كثيرا و يشعر بعدم الارتياح من صفقات التسليح التي عقدتها الرباط مع واشنطن، و أضافت أن قصر المرادية عبّر عن رغبته في عقد صفقات مع الجيش الأمريكي و الشركات المصنعة لتكنولوجيا الحرب، لكن “جوشوا” أبدا تحفظاته في هذا الشق و لم يُجب قصر المرادية…، بل فضّل تركيز النقاش حول دور الجزائر في ملف الصحراء الغربية، و وصف النظام الجزائري بـ “الأصدقاء” و هو مصطلح غالبا ما تستعمله الدبلوماسية الأمريكية في وصف من تعتبرهم من المعسكر الشرقي، بينما تصف حلفائها بـ “الشركاء”.
و ختم الإعلام الأمريكي تغطيته لزيارة ” جوشوا هاريس” إلى الجزائر، بالقول أن النظام الجزائري أبلغ الدبلوماسي الأمريكي بأن سلطات الجزائر أوقفت مشروع استغلال حديد منجم “غار اجبيلات” بعدما تراجعت الرباط عن قرار استغلال مناجم الفوسفاط بمنطقة لگويرة المحتلة…، و كشفت له توجسها من الصفقات التي عقدتها الرباط في أبوظبي، و التي من المنتظر أن تُغيِّر موازين القوى في المنطقة… واستخدم الإعلام الأمريكي عبارة “خيبة الأمل” للتعبير عن إحساس الجزائر من صفقات الرباط مع أبوظبي، مما يؤكد بأن قصر المرادية غير راضي على حجم تلك الاستثمارات و طبيعتها.
ما ختم به الإعلام الأمريكي، يقودنا لإتمام الملف الصحفي لزيارة ملك المغرب إلى الإمارات، خصوصا و أن الرئيس الروسي حلّ على عجل بدبي في إطار جولته الشرق أوسطية، و قالت وسائل إعلام روسية أنه لقاء عمل جمع بينه و بين ملك المغرب، الذي قرر قضاء عطلة رأس السنة في الإمارات العربية، بينما الإعلام الأوروبي قال أن زيارة “بوتين” للإمارات و السعودية ليس الغرض منها حلحلة ملف الحرب في غزة، بل توفير السيولة لموسكو التي تعاني من الاستنزاف المالي في حربها بأوكرانيا و سوريا و قريبا ستتورط في الجبهة الفنزويلية.
فالرئيس الروسي يبحث عن متكفل بنفقات الحرب في سوريا و فنزويلا، خصوصا بعد أن بلغه حجم الإنفاق الذي تعتزم الإمارات العربية عبر صناديقها السيادية توجيهه إلى الرباط… و حسب الإعلام الفرنسي فإن تلك الصفقات التي عقدها ملك المغرب تتكلف بموجبها الصناديق السيادية الإماراتية بكل الأوراش التي تخص كأس العالم لسنة 2030، و أيضا تخص تمويل كامل لحصة الرباط في مشروع الربط القاري الغازي بين أبوجا و المغرب، و هو المشروع العملاق الذي أفتى الإعلام الجزائري بعدم جدواه، و قال أحد خبراء وزارة الطاقة الجزائرية أن وزير البترول الجزائري،التقى بحر هذا الأسبوع بوزير البترول النيجيري، و اقترح عليه أن تمويل كامل من الجزائر لمشروع الأنبوب مع نيجيريا، مقابل تخليها مرور الأنبوب عبر المغرب، لكن الوزير النيجيري أبلغه رفض رئيس نيجيريا، و أبلغه أن الربط الغازي مع الجزائرمستحيل أمنيا، لكن الوزير الجزائري أخبره أنه ممكن تغيير المسار عبر البحر مع موريتانيا، لكن الوزير الجزائري لم يبلغ أحدا إذا ما كان حلفاء الرباط في الغرب الإفريقي سيقبلون هذا الخيار، بعدما جمعهم النظام المخزني في اتحاد أطلسي و أغلق المنفذ على قصر المرادية.
هذا التصرف من الوزير الجزائري و هو يحاول إيقاف مشروع أنبوب الغاز أبوجا-الرباط، ذكرتني بمستملحة تقول، أن رجلان عثرا على فانوس سحري و بعد فركه خرج منه عفريت و طالب من حامل الفانوس بأن يتمنى ما يريده موضحا له أن كل أمنية ستتحقق له سيحصل صديقه على مثلها مرتين، … و بما أن حامل الفانوس كان حسودا وسوست له نفسه بأن صديقه لا يستحق النعم، و أنه في حال طلب الأموال الكثيرة أو الأملاك فسيمتلك صديقه أضعاف ذلك…، فشعر بإحساس أنه سيكون أقل من صديقه في الثروة، ففكر و دبر ثم قرر و طلب من العفريت أن يفقأ له أحد عينيه، و هو ما تم و بذلك قام العفريت بفقء عيني صديقه و صار أعمى، و فقد الأحمق عينا واحدة و أمنيته التي كانت كفيلة بأن تجعله وجيها في الدنيا مع صديقه لكنه بدل ذلك اختار أن يعيش أعورا ليرى صديقه ضريرا… !!
قوة الصفقات بين الرباط و أبو ظبي لم تهز مشاعر الحليف الجزائري فقط، بل أحدثت رجة عنيفة داخل النظام الفرنسي الذي علم بأن الرباط تستعد للإجهاز على الاستثمارات الفرنسية في الغرب الإفريقي، وتحسّر الإعلام الفرنسي على تدهور العلاقات مع الرباط و هو ينشر أرقام الصفقات و قدرات الدولتين المالية، و قال أن الإمارات العربية التي لها ناتج خام يصل إلى 500 مليار دولار سنويا، و لها صناديق سيادية تتحرك في العالم بقيمة استثمارية تتجاوز 1.5 تريليون دولار، و هو رقم مهول و يصعب تصديقه، قررت الغوص في إفريقيا و تدارك تأخرها عن الصين و أمريكا و روسيا و الرباط…، بالمرور عبر بوابة الرباط و شبكتها الاقتصادية في العمق الإفريقي…
ليس فرنسا فقط من انتبهت إلى التحرك المغربي الإماراتي في الغرب الإفريقي، بل أيضا دولة مصر التي رأت في تلك الشراكة مثالا و نموذجا يمكن الاشتغال عليه، و منح نظام “السيسي” الضوء الأخضر لإعلامه من أجل نشر أن القاهرة تسارع الزمن و تُجهز وفدا من رجال الأعمال و القيادات السياسية للتوجه إلى الرباط، من أجل تقديم مقترحات اقتصادية ضخمة يصعب رفضها، و رأى الخبراء المصريون أن هذا التوقيت جد المناسب للقيادة المصرية التي ترغب في نقل التجارب الصناعية و الفلاحية للرباط، و الحصول على التكنولوجيا المتفوقة في صناعة السيارات و الطائرات التي لم تتمكن مصر من الحصول عليها من السوق الدولية، رغم الإغراءات التي قدمتها للشركات و الحكومات، و مصر تعرف أن الرباط دفعت ثمن نقل التكنولوجيا و أن عليها أن تمنح الرباط مقابل نقل تلك التكنولوجيا، و تعرف أنها لن تتحصل عليها دون تنازلات و لو بعد مائة عام، بسبب قوة المنافسة الدولية و بسبب الوضع السياسي المتغير في البلاد.
هذا التصرف من القاهرة أظهر بأنها دولة يقودها الحكماء، و ليس الحقد الأعمى، لهذا هي لم تحرك إعلامها من أجل القول بأن النظام المغربي باع شعبه لإسرائيل، لأنها مدركة بأن الرباط منشغلة عن الحروب و التوترات ببناء نموذجها الخاص، و تعلم أن الرباط أصبحت على بعد عشر سنوات فقط من الدخول إلى نادي دول العالم الثاني، و أن كأس العالم المقبلة ستكون بوابة الرباط إلى كرسيها في فضاء العالم المتقدم، و تعرف أن المحتل المغربي أصبح له صوت مدوي بين الكبار و يمتلك لوبي عالمي قوي جدا في جميع المجالات، و الدليل أنه رغم العلاقات بين الرباط و واشنطن إلا أن أمريكا تحترم رغبة الرباط في الحصول على ثلاثة مفاعلات نووية متوسطة الحجم من موسكو، و تحترم رغبة الرباط في غلق الطريق على فرنسا، بعد رفض السلطات المغربية استقبال مبعوث الجيش الفرنسي المكلف بعقد الصفقات العسكرية بداية الأسبوع المنصرم، بل و تنظر بعين الرضى إلى العلاقات بين الرباط و مدريد، و تضغط على الجزائر لتصفية ملف قضيتنا بالصيغة التي تشاؤها الرباط…
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك
تنويه: نخبركم أننا أنشأنا قناة على اليوتوب (SAHRAWIKILEAKS MEDIA)، لذلك نرجو منكم الدعم بالاشتراك في القناة