بقلم : الغضنفر
عكس ما كان منتظرا، اختتم مجلس الأمن الدولي اجتماعه المغلق ،عبر الفيديو، الذي عقد يوم الاثنين، بشأن التوتر في الصحراء الغربية دون اتخاذ أي قرار أو إدانة لقرار الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته “دونالد ترامب” أو إدانة للمحتل المغربي بسبب دخوله العسكري لمنطقة الكركرات، حيث تركز الاجتماع حول عرضين قدمهما مسؤولان اثنين للهيئة الأممية للإحاطة بمستجدات النزاع، وهما “بينتو كيتا”، مساعدة الأمين العام للأمم المتحدة المكلفة بإفريقيا في إدارتي الشؤون السياسية و بناء السلام وعمليات السلام، و “كولين ستيوارت”، الممثل الخاص للأمين العام للصحراء الغربية ورئيس بعثة “المينورصو“.
أما باقي المداخلات فقد تحاشت الإشارة إلى القرار الأمريكي و اكتفت بمداخلات تقليدية، حيث دعا ممثل ألمانيا إلى حل النزاع بالطرق السلمية و إتباع القواعد و تنفيذ قرارات الأمم المتحدة و القوانين الدولية ذات الصلة، معبرا عن قلق بلاده من جمود العملية السياسية و التصعيد الخطير في مسار النزاع وعن دعم برلين لـقيام بعثة “المينورصو” بمهامها، فيما دعت بلجيكا إلى العودة إلى طاولة المفاوضات، و قالت إن الوضع النهائي للصحراء يتم تحديده من خلال العملية التي تقودها الأمم المتحدة، بما يتماشى مع القانون الدولي، بما في ذلك ميثاق الأمم المتحدة و قرارات مجلس الأمن الدولي.
و عكس ما روجت له وزارة الإعلام الصحراوية التي قالت في بيانها بأن بعض أعضاء المجلس وجّهوا انتقادات قوية لتصريح الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته، فإنه لم يسجل أي انتقاد خلال الاجتماع، و الحقيقة أن الانتقاد الوحيد جاء على لسان سفير جنوب إفريقيا لدى الأمم المتحدة، “جيري ماتجيلا”، الذي تحدث بصفته ممثلا لبلاده لا رئيسا لمجلس الأمن، و ذلك خلال ندوة صحفية أعقبت الاجتماع، حيث قال للصحفيين بأن “القرارات التي تتعارض مع القرارات الجماعية متعددة الأطراف يجب مقاومتها و تجاهلها بشكل قاطع” (دون أن يذكر الولايات المتحدة بالاسم) و قال أيضا : “نعتقد أن أي اعتراف بالصحراء الغربية كجزء من المغرب هو بمثابة الاعتراف بعدم الشرعية لأن هذا الاعتراف يتعارض مع القانون الدولي“.…. فما فعله ممثل جنوب إفريقيا يختزله المثل الحساني “نواشة الديك”، أي مجرد نفاق سياسي بحيث لم يتجرأ على هذا الكلام خلال الاجتماع الرسمي لمجلس الأمن و قاله خلال ندوة صحفية كنوع من التضامن الذي لا يغني و لا يسمن من جوع و هو على بعد أيام من مغادرة رئاسة مجلس الأمن.
هذه النقطة أردت توضيحها ليس نكاية في القيادة الصحراوية، بل تنويرا للرأي العام الصحراوي حتى يكون على بينة من أمر قضيته الوطنية بعيدا عن البروباغندا و الديماغوجية التي أوصلت مشروعنا الوطني إلى حافة الانهيار، فلم يعد هناك متسع من الوقت للتضليل و التطبيل فما نحتاجه اليوم – كشعب- هو الحقيقة كيفما كانت لنتحرك وفقها، لا نريد تنويما مغناطيسيا عبر بيانات و بلاغات عسكرية مكتوبة بلغة الخشب.
إلى ذلك يرى بعض الملاحظين بأنه في ظل العجز الذي تعرفه الحليفة الجزائر على كل المستويات، يمكن لإسبانيا أن تلعب دورا كبيرا في تغيير القرار الأمريكي، بالنظر الى تضرر مصالحها هي الأخرى من هذا القرار، حيث كتب وزير خارجية إسبانيا السابق “خوسي مانويل غارسيا مارغالو” : “إن الدور المخزي لدبلوماسيتنا في الاتفاق الأخير بين دونالد ترامب و محمد السادس و الذي تعترف بموجبه الولايات المتحدة بالسيادة المغربية على الصحراء الغربية، و الذي علمت به حكومتنا من الصحف، كان تتويجًا لهذا اللامبالاة السياسية. التي أداننا بها حلفاؤنا الغربيون “، و أضاف،”إسبانيا اليوم لا ترسم أي شيء في المجال الدولي، نحن أصبحنا مجرد ضيوف متكلسين في المنتديات الدولية التي لا نزال نقبل فيها كما في G-20، أو في الإتحاد الأوروبي أو في منظمة الحلف الأطلسي، حيث بدأت العديد من الدول التي يعول عليها هناك في النظر إلينا على أننا مرشحون أقوياء للإقصاء و النبذ”.
فقد أثار القرار الأمريكي بخصوص الصحراء الغربية، جدلا سياسيا كبيرا في إسبانيا. و علقت عليه أحزاب المعارضة و أعضاء الحكومة، حيث شكل صدمة بالنسبة لهم شكلا و مضمونا، و لم يعلموا به إلا عبر الجرائد و الصحف، رغم أن المفاوضات و المراسلات بين الدول الثلاث (المغرب-امريكا –اسرائيل) استمرت لحوالي ثلاث سنوات، و هذه المسألة لوحدها، تعتبر انتكاسة سياسية و أمنية و استخباراتية بالدرجة الأولى، و معناها أن الأجهزة الاستخبارية و الدبلوماسية الإسبانية لم تعد قادرة على تتبع ما يحدث بالمغرب، و هذا فشل كارثي بالنسبة لهم.
وزيرة الخارجية الإسبانية “أرانشا غونزاليس لايا”، جددت يوم الاثنين الماضي، تأكيدها على موقف بلادها من نزاع الصحراء الغربية، و قالت في مقابلة مع إذاعة “أوندا ثيرو”، إن الحل “لا يعتمد على إرادة أو عمل أحادي الجانب لدولة مهما كان حجمها” و هذا الملف “بين يدي الأمم المتحدة“ و “أن إقامة علاقات دبلوماسية بين الدول العربية و إسرائيل لم تحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. و أضافت أن الصحراء الغربية و فلسطين “عمليتان تتمحوران حول الأمم المتحدة، أي أنهما بحاجة إلى موافقة المجتمع الدولي حتى يكون الحل مستقرًا و مقبولًا من الجميع“.
و أردفت قائلة أن “ما يهم الآن هو أن يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتعيين مبعوث خاص جديد للصحراء الغربية للتوصل إلى حل، و التحدث إلى الجيران المباشرين مثل المغرب، موريتانيا و الجزائر و مع أعضاء مجلس الأمن و كذلك مجموعة دول ذات مصالح ضيقة، بما فيها اسبانيا” و شددت رئيسة الدبلوماسية الاسبانية على أن الإدارة القادمة لـ “جو بايدن” هي التي “ستقوم بتقييم الوضع و معرفة تموضعها و ستعمل من أجل حل عادل و دائم، الذي لا يعتمد على الانحياز في لحظة إلى معسكر أو آخر“، مضيفة أنه “لا مكان للأحادية في إدارة العلاقات الدولية “.
الحقيقة أن الأوساط الإسبانية تعترف بأنّ الخطوة الأمريكية و تمدّد المغرب في الصّحراء سيزيدان من إضعاف موقف مدريد على المستوى الإقليمي، و قبل كل شيء، كمفاوض مع الرّباط في العديد من الملفات؛ بحيث سيمكّن القرار الأمريكي من حصول المغرب على طائرات F 35 الجديدة المتفوقة كلّياً على مقاتلة Eurofighter التابعة للجيش الإسبان، ناهيك عن مؤشرات في الأفق عن دعم بريطاني للمغرب… فهل ستدفع هذه التطورات باسبانيا إلى السعي من أجل إلغاء القرار الأمريكي؟… ذلك ما ستجيب عنه الأسابيع المقبلة بعد تسلم “بايدن” البيت الأبيض.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك