بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
قد تكون واحدة من مستملحات قضيتنا، حيث يذكرني ما وقع لـ “لعروصي محمد سالم” مع الرئيس الصحراوي “ابراهيم غالي” بما قاله مواطن أمريكي و هو يقدم شهادته للتاريخ على فترة حكم الرئيس “بوش” الابن، حينما قال: “أنه يثق في الرئيس بوش لدرجة أن بإمكانه أن يترك ابنته البكر بين يديه دون أن يسيء النية في الرئيس، لأنه متأكد بأن الرئيس بوش لن يستدرجها لفعل قبيح…، لكنه لا يثق فيه اقتصاديا… !!“،
كانت هذه العبارات تكفي لنفهم أن الشرف عند الأمريكيين مصدره المال و ليس العفاف و لا حتى الشرف، لكنني لم أتوقع يوما أن يكون الأمر ذاته بالمخيمات، حيث المال هو الفيصل و المجد و القناعة و الكرامة و الشرف و الوطن و الحرية… بل أن ترتقي بين الرقاب و تبلغ مراحل متقدمة من درجات “التهنتيت” و كرامات القادة و كي تفيض عليك الخزائن بخيراتها، فعليك أن تحظى برضا حكام البيت الأصفر، لأن غضبهم قد يجعل ملفك يحال على وزارة الدفاع، و احمد الله أنه لم يتم إحالته على دار الإفتاء لتبرير حكم قد يكون إعداما… لا قدر الله.
و بعدما تسرب إلى الإعلام تفاصيل ما جرى في اجتماع لرئاسة الجمهورية بالبيت الأصفر-الشاحب، تأكدنا بأن الرئاسة تقوم بعمل جبار و بشكل يومي، و هذا يبرر الإرهاق الدائم الذي يظهر على كبار كوادر البلاد، و يبرر التحاقهم باوروبا لقضاء عطلهم السنوية – و ليس في الأرضي المحررة كما دعا إلى ذلك “الولي سالم الدوه” المشرف على صفحة إعمار المناطق الصحراوية المحررة -، بل في منتجعات إسبانيا و فرنسا و تركيا، لعلهم يجدون في بعدهم هناك بعضا من الراحة، تخفف عنهم القليل من الهموم التي يرونها و هم يعالجون القضايا المعقدة لتقسيم أموال الشعب الصحراوي بينهم، كمنح و مكافآت و تعويضات و تحفيزات، يتم تدويرها بنظام التناوب فيما بينهم بكل ديمقراطية تحت الوصاية الكاملة للسيد الرئيس، الذي يرى أن لهم كل الأحقية في ذلك، و لو أنه استطاع لضاعف لهم الأجر لقاء ما يصنعون..!!
و حسب ما تعلمناه، و صادفناه، و بناءا على القناعات و تجارب من سبقونا، فإن أسلوب القيادة في تدبير مقدرات الدولة الصحراوية خلال الاجتماعات الرئاسية، هو واحدة من الأساليب الفعالة و الرائعة لصناعة الفساد في البلاد، و تعميمه على باقي المؤسسات، و لا يوجد مكان أكبر من رئاسة الجمهورية الصحراوية من أجل انتاج جيل جديد من “الهنتاتة” أكثر مناعة و أكثر مقاومة لأي إصلاح، و حسب التفاصيل التي نشرتها صحافة الرابوني، و هي مترددة بين التصفيق للسيد الرئيس و البكاء على ما يصيب القيادة و أعلى مجالس الحكم، فإن إحالة ملف الموظف “لعروصي محمد سالم” على وزارة الدفاع معناه الطرد من رئاسة الجمهورية، و أن قرار الإحالة غريب جدا، لأن الأعراف تقتضي ان يحال الرجل المعارض على العدالة، و أن يتابع بتهم إساءة الأدب مع قائد الدولة، و أن تفتح العدالة تحقيقا في تهم التبذير و الاختلاس التي وجهها للمجلس الرئاسي.
و نحن هنا لسنا بصدد الدفاع على هذا الموظف، لأنه هو الآخر لم يجنّ جُنونه خوفا على المال العام، بل كل ما حركه و أغضبه أن التوزيع كان غير عادل بمنطق “الهنتاتة” المحيطين به حول مائدة الاجتماع، و أنه لم يحصل على ما يكفيه كي ينفق على سفرياته و حاجياته الأسرية و الدراسية لأبنائه و أن تلك المنحة لن تمكنه من الظهور بين عِلّيّة القوم كواحد من أثرياء المخيمات و يحتاج المزيد، و سيتضرر غنج زوجته التي يجب أن لا تكون أقل من نظيرتها كزوجة ذلك الدبلوماسي الصحراوي باسبانيا، التي تمت مراضاتها بملايين الشعب الصحراوي، و أنه رأى نفسه أحق من الآخرين ممن فضلهم الرئيس الصحراوي بمكافآت غاية في السخاء….
يصعب على ربان السفينة أن يبدع في القول و هو يصف مركبه يغرق وسط الإعصار، فلا مجد للأدب في وصف لحظات الانهيار، و كذلك حالنا اليوم و نحن نصف ما يقع داخل دواليب الحكم بالرابوني، تشعرنا الكتابة في الموضوع بالحزن، و لولا الواجب ، و العهد لتركناه للنسيان…، فلو أن لنا قيادة على قدر من الكفاءة لترفعت في اجتماعاتها على نقاش هذه التفاصيل، و لا ما رفع صوت ينادي بحصة أكبر و كأنهم يتقاسمون كعكة عيد الميلاد، و هذا يبرر الاستقالة التي لوح بها البرلماني “الديه النوشة” و الذي وصف الوضع بالكارثي داخل دواليب الحكم، و يبرر ضعف سلطة الرابوني و سيطرة تجار المخدرات على قرارات الجيش و القضاء، و يبرر مطالب المناضلين من الدولة الصحراوية برفع الدعم المالي المقدم لهم كما لو أنهم نجوم غناء، و يبرر فرار معظم القادة باتجاه جزر الكناري و اسبانيا و منتجعات المالديف خلال ذروة فصل الصيف تاركين الشعب للهيب الحرارة و العطش و الفوضى…، كل هذا يحدث و الشعب الصحراوي يتحمل.
و إذا كان ما سبق ذكره يبرر سلوكات القادة من الصف الثاني و الثالث، فأنا أبرر صمت السيد الرئيس و تركه للأمور تسير نحو العبثية المطلقة، و تجاهله لمطالب الشعب الصحراوي و عدم مناداته بسياسات التقشف و ترفعه على محاسبة المخالفين، لأنه قبل أن ينتخب كرئيس للدولة، فقد كان دبلوماسيا رفيع المستوى معتمدا لدى دولة الجزائر الحليفة و قبلها اسبانيا، و هناك كان ينعم بمعاملة خاصة، و كانت الدولة الصحراوية تمكنه من مكافئات تجعله يتساوى مع سفراء و قناصلة باقي دول العالم، و حين نصب رئيسا لم يستطع التخلي على حياة الترف تلك، و كي يضمن مستوى عيش رفيع، و أيضا ليضمن عدم الانتقاد، فقد أغدق على من حوله من بطانته الخاصة، ليشكل منهم خط دفاعه الأول.
للرئيس مكانة في قلوبنا، لكن هذا لا يمنعنا أن نمارس حقوقنا في النقد كصحافة الواقع، و أن ندافع عن حق الشعب الصحراوي في الإطلاع على تفاصيل ما يجري، و نحن الذين ائتمنا الرئيس على مستقبل القضية الصحراوية، و دافعنا على أحقيته في الحكم، و اليوم نلومه على التفريط الحاصل و ننسب إليه نتائج ما يقع، و إذا كان ذلك المواطن الأمريكي لا يتق في رئيسه اقتصاديا…، فنحن اصحبنا لا نتق في رئيسنا اقتصاديا و اجتماعيا و قضائيا و سياسيا، و حتى أخلاقيا…، لأن له سوابق كان علينا الانتباه إليها قبل رمي ورقة التصويت.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك