بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
حدث في فرنسا أن محام لاحظ وجود مسنة تبلغ من العمر 90 سنة و تعيش دون رعاية في شقتها، فعرض عليها صفقة خبيثة بأن يمنحها 2500 فرنك شهريا مقابل أن تمنحه ملكية الشقة بعد وفاتها.. و عند احتفال العجوز بميلادها 122 وجهت له الدعوة للحضور لكن مكتبه أبلغها بأن المحامي توفي منذ زمن.. و كان المبلغ الذي أنفق طيلة المدة على تلك العجوز يتجاوز بكثير قيمة الشقة التي تمتلكها.. فإذا ما نحن غيرنا التوصيفات و المواقع نجد أن هناك تشابه بين صفقة العجوز مع المحامي الجشع و قصة القضية مع المنظمات الحقوقية التي تضن أننا الدجاجة التي تبيض ذهبا و الحقيقة أن قضيتنا أصبحت لا تبيض غير المشاكل منذ زمن طويل.. و أن الجميع سيهلك قبل أن تحل هذه القضية.
حيث أن قيادتنا علا صوتها و عويلها، و هي تحاول مناداتنا بمقاطعة المنظمات الحقوقية كهيومن رايتس ووتش، التي تقوم في الآونة الأخيرة بزيارة إلى المناطق المحتلة، إذ تبدوا كخطوة متجاوزة و لا تتناسق مع الفكر النضالي التحرري، رغم أن المنظمات الحقوقية التي لا تستشير البيت الأصفر و لا تعير رئاسة القضية الصحراوية أي اهتمام من أجل الخوض في تفاصيل القضايا المتعلقة بالحقوق عند المناضلين بالأراضي المحتلة، و تكتفي بتقديم طلباتها لمؤسسات العدو المغربي في محاولة قد تكون مقصودة للتشكيك في مصداقية القضية الصحراوية من جهة و قد تكون أيضا استفزازية لدفع الطرف الصحراوي للإسراع في مراضاة مسؤوليها و مبعوثيها و مراقبيها عبر الاعتراف الضمني للعدو بسيادته على تلك الأراضي المحتلة.
لكن حتى التفكير بهذه الصيغة يجعلنا خارج الزمن النضالي، و يضع القيادة أمام العديد من الملاحظات، التي من أبرزها أنها لا تزال تدير القضية بفكر سنوات توازن الرعب و الحرب البارد بين الأقطاب، و أن الخوف من هذه المنظمة و من إيحاءاتها التي تصب في الاعتراف بالسيادة المغربية على الأراضي المحتلة غير مبرر و مرفوض من طرف الشعب الصحراوي و عقلائه.. ذلك لأن الإتحاد الأوروبي الذي يمكن اعتباره القوة المؤثرة رقم واحد في القضية يعترف بالسيادة المغربية بشكل ضمني على الأراضي المحتلة عبر إجراءاته الاقتصادية و طلبه من الرباط تجديد اتفاق الصيد.. بل أكثر من هذا فالولايات المتحدة الأمريكية التي تعتبر دركي العالم هي اليوم تدفع بشركاتها و رؤوس أموالها إلى الصحراء المحتلة من أجل تأكيد سيادة العدو على تلك الأراضي و أيضا لإظهار عجز القضية و شيخوختها و أيضا للكشف عن الأخطاء التي يرتكبها قادتنا بسبب مرجعيتهم السياسية في الحكم و التي تعود إلى سبعينيات القرن الماضي.
فزيارة المراقبين من جمعية “هيومن رايتس ووتش” إلى الأراضي المحتلة يمكن قراءته من الوجهين وجه حقوقي و وجه استرزاقي تجاري و هي القراءة التي لا تضعها قيادتنا بل تكتفي بنظرتها السطحية، و التي ترى من خلالها أن الجمعية استباحت شرعية القضية عندما تجاهلت توجيه الطلب إلى القيادة الصحراوية، مع علمنا المطلق كشعب و قيادة و صحافة بأن هذه الجمعية لا تملك ضرا و لا نفعا للقضية، و حتى و إن كان ضررها في هذه الآونة أكثر من نفعها فقد تأخرت القيادة كثيرا في تحذيرها و أن صراخ الأخ البشير لن يعيد ما فقد و لن نتدارك به ما فات.. لأن الذئب نجح في التسلل و أصبح يعيش وسط القطيع، و أن الجمعيات الحقوقية فعلت فعلتها بالقضية و تاجرت بآلام و دموع المساكين من الشعب الصحراوي و لم تدافع عن غير مصالحها.
و المصيبة أن القيادة إلى حدود كتابة هذه السطور لا تزال تائهة بين التقرير الأخير للمبعوث الشخصي و انشغالها بالنداءات المتكررة من داخلها حول خيار الكونفدرالية التي أحضرها كفكر رجل السياسة الفرنسي خلال خمسينيات القرن الماضي “إدغار فور”.
و المضحك في الأمر أن هذه الفكرة أثبتت عدم نجاعتها منذ زمن، إذ لا يمكن أن نتحدث عن وجود نظامين تحت غطاء الدولة الواحدة، و إلا فإننا نكون قد دخلنا عصر الهرطقة السياسية، و الأكثر من هذا أن المدافع عن الطرح هو الأخ البشير الذي لا يزال يفكر بأسلوب الماكينة البخارية في زمن الطفرة العلمية الرقمية.
حتى أن المراقبين المغربيين اللذان حصلا على تواصل مع أشباه المناضلين بالأراضي المحتلة لا يملكون في جعبتهم ما يضيفونه إلى القضية، و أن المناضلين الذين يركبون على موجة المنظمة الأمريكية هيومن رايتس ووتش لا يستشعرون خطورة المغامرة التي يخوضونها، لأن الزائرين هم في الأصل مسوخ حقوقية و منبوذين في موطنهما و حتى في مجتمعنا، و لا يملكان ما يقدمانه للقضية و الشعب الصحراوي، و أن الدور الذي أوكل لهما في هذه الزيارة لا يخرج عن الابتزاز و الاسترزاق، و يحضرني هنا المثل الشعبي القائل “كيف الكلب ينبح فخيمة من غير خيمة اهلو”، و رغم إلمام المناضلين بالأراضي المحتلة بكل هذه التفاصيل فإنهم يتحدون القيادة و يفضلون كسر أصابعها من أجل الحصول على هامش في القرارات النضالية تبيح لهم المزيد من البقاء في الساحة بالأراضي المحتلة.
فتبجح مبعوثا منظمة هيومن رايتس ووتش أمامنا و تشدقهم على الشعب الصحراوي بالحلول الحقوقية رغم هذا الواقع المرير للقضية، يضل محض إدعاءات باطلة، لأن قدرتهما على إيصال صوت الانتهاكات إلى آذان الأمين العام الأممي و إلى جنيف و إلى البيت الأبيض و أيضا المراصد العالمية الأخرى.. مجرد أحلام و أقاويل ترويجية، كون هذه المنظمة أصبحت تبيع خدماتها للحكومات و للمؤسسات الدولية للضغط على الملفات في القضايا و المتاجرة بها، خدمة للأجندات السياسية الجديدة التي فرضتها الخرائط الاقتصادية و خرائط الثروات و مراكز النفوذ.. لهذا يمكن الجزم على أن هيومن رايتس ووتش لا توظف في صفوفها غير المرتزقة، و هم في هذا يحاكون جيش “البلاك ووتر” الذي يتغذى من الدماء في مناطق النزاعات و الحروب.
لربما قصة تلك العجوز التي بدأت بها المقال ستتكرر، فقضيتنا ستقتلنا كمدا و حزنا و غبنا و ستقتل القيادة ترفا و خيرا و ستقتل المنظمات انتظارا و لن يرثها أحد..
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك