بقلم حسام الصحراء.
أذكر أنني كنت في السابعة من عمري حين قال لنا المدرّس بإحدى مدارس مخيمات العزة و الكرامة المنسية بأن الصحراء الغربية ستصبح يوما ما مستقلة و بأن “الجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب” هي الممثل الوحيد للشعب الصحراوي و هي الضامن لحق هذا الشعب في تقرير مصيره، كبرت و كبر معي إيماني بالقضية و زدت تعصبا للقيادة و القضية، ترتعد فرائسي لكل نقد موجه لممثل شعبي الوحيد، أحتد كثيرا و أتطرف في نقاشاتي حول جدوى سياسة القيادة،…. خلاصة القول كنت مريدا مثاليا في زاوية القيادة و تلميذا نجيبا لشيخ القضية و زعيمها، حملت خرقتها تصوفا بالقضية و زهدت في بهرجة الحياة من أجل القيادة، لقد بلغ بي الجنون أن رفعة حبها في قلبي لمرتبة الصلاة.
امتلأت فخرا و عزا حينما سمعت قيادتنا تزف خبر “سنة الحسم”، قارعت كل أولئك الذين شكّكوا يوما في أحاديثي و أعددت العدة لاستقبال النصر و لطالما رمتني أعين البعض بنظرات السخرية المبطنة بالازدراء، و أنا أمشي في شموخ بين الأزقة و الخيام ولسان حالي يقول أنا ابن الصحراء سأحسم قضيتي لصالحي، سوف أعود للديار حاملا رايات النصر كما الفاتحين، سوف أساهم في وضع أولى لبنات الدولة على أرض الوطن المستقل التي لطالما كانت حلما بعيد المنال… ولا تزال.
كانت هذه هي الأماني التي وزعتها القيادة على الشعب في سنة 2015 مثلما يوزع “بابا نويل” هداياه من النوافذ و المدخنات في عيد “الكريسمس”.. وها نحن على أبواب عام آخر، فتحنا كل هدايا القيادة و لم نجد في إحدها شيئا عن الوطن ولم نرَ شيئاً عن ترابه الطيب، كل ما عثرنا عليه كانت بعض الأوراق التي أطلق عليها نكاية في القضية تسمية “أرضية النقاش و البحث” جاءت لتكشف عن عورة القضية و لتعري التخبط الذي تعيشه القيادة و لتميط اللثام عن المأزق الحقيقي الذي يحيا بين ضفريه شعب بأكمله.
أتساءل إن كانت القيادة الصحراوية تتوفر على ما يكفي من الوعي لتتحسَّس خطورة الموقف وحدة الأزمة التي تقسم ظهر الشعب الصحراوي الآن، لقد بات ضروريا أن يدرك الجميع كون الأزمة أعمق من أن تحل بالطرق الترقيعية، و إن الحل يكمن في تمكين جيل جديد من مقاليد التسيير، و خلق ديموقراطية حقيقية داخل المخيمات و بين أوساط المناضلين بالمدن المحتلة، لسنا في حاجة إلى طبقية نضالية من أجل الوجاهة.
لقد كبر الطفل في صدري و لم تكبر القضية، و نضجت أفكاره بعيدا عن الوطن، فاستباح الغبن كل أحلامه حتى صار لا يرى من القضية غير الظلام الذي يتيه في غشاوته الشعب الصحراوي، و أظنني كنت أحمل فكرا مغلوطا عن القضية التي إنقلبت على أبنائها و إلتفت عليهم، لقد عشت لأرى أبناء الشعب يولدون بإعاقات لا يملكها غيرهم، فنحن الأمة الوحيدة التي يولد أبناؤها بكرامة تلهج بها الألسن و يكذبها واقع المعيشة، و بأمل كفيف…. شعب يولد منقوصا من أحلامه، لن تكون له يوما نخب تليق بقضيته، كل ما سنحصل عليه، سيكون جيش من المنحرفين دخلوا منظومة النضال و أفسدوها، و أبطال رياضة التحدي في إستهلاك السموم، فالنخب التي اختارها لنا “بولسان” لتحمل هم القضية، لا أظن أنها تستطيع حمل سراويلها الساقطة حد الركب.