بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
سيخبروك أنك رجل الثورة و خطها الأمامي، و سيقنعوك بأنك تصنع التاريخ و أنك حفيد الفاتحين و أنك لوحدك تعادل نصف جيش العدو، سيعلمونك سرا و جهرا بأن النصر هو أن تظل صامدا في خلاء الكركرات ملثما…، تلوح بالعلم و تجر النعل الجلدي و تحمل الحجارة بكل سيزيفية لتضعها على إسفلت الطريق الذي حاول الغاضبون من بني جلدتنا اقتلاعه و عجزوا…، سينشرون صورك على الصفحات ليجد ذلك الشعور بالزهو طريقه إلى قلبك، و يبثون لقطات لك و أنت تكتشف البحر و كأنك “ماجيلان” المخيمات، سيبكيك الشعور بأهميتك و أنت تقفز متهورا أمام جنود الاحتلال المتحوزون برشاشات الواحدة منها تكفي لإحداث مجزرة…، و سيقولون لك أنك أرعبتهم بصراخك و أنهم عجزوا أمام شجاعتكم، و خلفهم يحدق إليك مراقبو “المينورصو” و هم يكتبون التقارير عن تلك الأحداث بكل برودة…، سيخبروك أنه بفضل عزيمتك و غضبك انتصرت القيادة و فازت القضية…، و سيصفقون بحرارة لنجاحك كي لا تبرد نارك و تظل تنفذ ما يطلبون… إلى أن تهلك و تهمل…، كما أهمل قبلك فرسان ملحمة كدم إيزيك، و حينها ستتحول إلى ملف حقوقي في يدي “عبدالسلام عمر” و” محمد الولي اعكيك” و “اميمة عبدالسلام” يمطر ذهبا في مزارع حقوقيي الأراضي المحتلة، و ستصبح مجرد حكاية مأساوية من تاريخ النضال المرتجل، يعاتب فيها المحتل عتاب الأحبة و تحقن بها قلوب اليافعين من الشعب الصحراوي ليكونوا حطبا جديدا لنار المصالح… و نضمن عقودا آخرى من اللجوء و خطابات الحماسة و صدقات الدول.
كان القياس أن تكون المقدمة أطول و أضخم و أشمل، و لو سمحت الظرفية لكانت المقدمة في حجم كتاب و لا أبالغ، لأن كمية التهور في صناعة الأحداث من جهة قيادتنا تكفي لإبداع أدبي ضخم، و تكفي أيضا لإشعال حرب يحرق لظاها شعوب المنطقة و لا تستثني أحدا، فالقيادة و كأنها أدارت ظهرها للأحداث، و تركت الفوضى تعم الفضاء، و نحن في هذا المقال لا ندعو للحرب ردا على قرار جيش الاحتلال الدخول الى المنطقة صباح يوم “الجمعة 13″، و لا نتهم بالجبن الفارين من المكان، لكننا نتساءل عن تفاصيل خطة القيادة للايام القادمة، و عن مخارج الطوارئ في مجسم التهور لمهندسي الفوضى بالبيت الأصفر، و عن العشوائية المقيتة التي دبرت بها الأزمة، و كل هدفنا هو فهم ما جرى، و التعرف إلى أين تقود الأحداث، لأن ما نراه من جراة جيش الاحتلال المغربي على خرق اتفاق وقف إطلاق النار لا يعدو أن يكون الجزء المكشوف من الجبل الجليدي، و نحن على هذا الموقع تريثنا في الكتابة حتى لا نؤثر على سير الأحداث، و حتى لا نخضع المقاتل و المواطن الصحراوي لضغوطات القراءات التي تبدو من مؤشراتها سلبية و كاشفة للحقائق المأساوية، غير أن المستجدات ترغمنا و تدفعنا دفعا لوضع تلك القراءة بين يد الشعب الصحراوي، حتى نجيب على ما علق في القلوب من تساؤلات مكتومة أهمها، لماذا امعنت القيادة في الزج بالمدنيين و وضعهم على مرمى حجر من أشرس آلة حربية في شمال إفريقيا؟ و لماذا لم يعبر الجيش الصحراوي منذ البداية إلى البحر ليمارس سيادته المطلقة؟ و ما السر الذي تخفيه زيارة وزير خارجية فرنسا إلى الرباط؟ و ماذا عن القرار الجزائري و حجم الدعم الممكن لنا بعد هذا الخرق السافر الاتفاق وقف إطلاق النار في غياب الرئيس “تبون”..؟
الوضع حاليا غاية في الضبابية و الاحتقان، و المحتل المغربي يحشد الآليات و المدرعات و يسلح الطائرات التي لم تتوقف عن التحليق فوق مدينتي الداخلة و العيون المحتلتين حسب شهود عيان، و عدد من كبار ضباطه حلو بجدار الذل و العار، و خطاب الملك زاد من تدفق الأدرينالين عند قيادتنا، خصوصا و أنه تحدث بهدوء كبير عن إعادة تحرير الطريق التجارية – الثغرة و فرض النظام، و هو ما تم بعد اسبوع فقط، فيما قيادتنا التي لوح رأسها باعلان الحرب في حال المساس بفرد واحد من الشعب الصحراوي في منطقة الكركرات و لا تزال تعقد الاجتماعات و تصدر البيانات و تبث الخطابات الحماسية في تجمعات بالرابوني و على مواقع التواصل الاجتماعي، و لم تكلف نفسها عناء تحريك أي آلية باتجاه المعبر لحماية “الطفيلات” و “العزايز” اللواتي وجدن انفسه ن في وضع لم يتصورنه يوما، بينما جيشنا الشعبي فلا يكاد يجتمع حتى يتم تفريقه من جديد…. و حتى حدود اللحظة لم تكشف قيادتنا عن أي معدات عسكرية نوعية يمكنها أن تمنحنا الأفضلية على الساحة القتالية، بينما المحتل لا يتوقف عن إرسال الأرتال القتالية إلى المعبر الملعون، و آخر ما كشفت عن التسجيلات على مواقع التواصل الاجتماعية هي تلك الشاحنات التي تحمل دبابات الأبراماز و الراجمات WS-2 و مدافع مقطورة و طائرات تحلق على ارتفاعات منخفضة…
هذا الوضع غير الواضح من جهة قيادتنا يجرنا للكشف عن الوضع الجزائري وسط هذا القلق، و مدى دعمه للجيش الصحراوي بعد تدخل العدو المغربي، و رغم أن الصفحات المحسوبة على البيت الأصفر تحاول خلال الساعات الأخيرة أن تروج لشائعات عن اندلاع حرب و عن أسر جنود مغاربة بالعشرات، كما حاولت قبل بعث رسائل التأمين و الطمأنة إلى الشعب الصحراوي عبر القول بأن الجيش الجزائري سليل ثورة نوفمبر سيقف إلى جانبنا لأن عقيدته العسكرية مبنية على نصرة المستضعفين في بقاع الدنيا، و أن الجزائر دعمت تيمور الشرقية و دعمت جنوب السودان و لا تزال تدعمنا إلى اليوم…، إلا أن من طلب نشر هذه المعطيات نسي أن الرئيس المستقيل “بوتفليقة”، في عهد “القايد صالح”، كان يرفض أن تستخدم الأراضي الجزائرية كقواعد خلفية تنطلق منها الهجمات على المغرب، و لا ندري إن هي عقيدة شاملة أم مجرد رأي للرئيس الذي أسقطه الحراك، و الشعب الجزائري يرفض أي حرب خارج قضاياه، ثم أن الساحة الدولية و الوضع في الصحراء الغربية اليوم ليس هو الوضع قبل وقف إطلاق النار، حينما كانت الجزائر ترسل وحداتها القتالية للجبهات من أجل دعمنا و مساندة القوة النارية لمقاتلينا.
الوضع الجديد يقول بأن كوبا و فنزويلا و سوريا و مصر و ليبيا و فيتنام … ممن كانوا يمنحوننا رفقة الجزائر خط الإمداد غير المشروط لتموين الحرب، باتت أوضاعهم الاقتصادية مجتمعون لا ترقي لتسمح بدعمنا و لو برصاصة واحدة، ثم أن المجتمع الدولي يرفض اليوم هذا النوع من الدعم لمناطق النزاع و يفرض العقوبات، ثم أن وزير خارجية فرنسا “جان إيف لودريان” الذي قام بزيارة إلى الرباط تتزامن و أزمة الكركرات، قال أن بلاده قلقة بخصوص الأزمة، و الزيارة في الأصل حسب ما تسرب في الإعلام الفرنسي، جاءت للتأكيد على أن فرنسا تدعم الرباط جملة و تفصيلا في نزاعها و صراعها مع الدولة الصحراوية.
نضيف إلى هذا الأمر المتغيرات الحاصلة على مستوى القرار الأمريكي، في انتظار الإعلان الرسمي عن وصول الديمقراطيين إلى سدة الحكم و العلاقات التقليدية التي تربط حكام أمريكا من هذا الحزب مع المحتل، نزيد عليه بذكر أدوار اللاعبين الجدد في الصحراء الغربية، و تسابق قوى الخليج لفتح سفاراتهم إرضاءا للرباط و قدراتهم التأثيرية في القرار الأمريكي، دون إغفال الإتحاد الأوروبي الذي يضغط بكل ثقله ليمنع نشوب حرب على ضفافه الجنوبية من البحر المتوسط… كل هذا لنخبر قيادتنا أن الوضع اليوم ليس كالوضع خلال سبعينيات و ثمانينيات القرن الماضي، فهل تملك القدرة و السعة على تحمل تبعات المجازفة في الدخول في حرب…؟
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك