بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
لم يورثونا وطنا، و لم يورثونا مجدا… حتى القضية أوصلوها إلى جيلنا مثخنة بالكدر و الخوف و الهموم، و يكاد الشباب منا لا يستطيع مع أحزانها صبرا، ونحن الشعب الذي اجتمع في صدره حب الثورة الزعاف مع وجع الإهانة و قهر الخذلان، ذلك أن قيادتنا كلما حاولت ابداء نوع من الهجوم الجامح الثائر إلا و ذهبت صيحاتها أدراج الرياح، فنتحمل نحن وجع الجرح و يكون لها هي مجد الهزيمة، وذلك يحدث لها مرارا و تكرارا لأنها حينما زاغت عن مطلب الوطن و تبعت خيوط حقوق الانسان و الثروات الطبيعية، و غرها الغرور و ظنت أنها يوما ستفرض على الإتحاد الأوروبي رأيها و ستخضعه و تمنع عنه الاستفادة من ثروات الأراضي المحتلة، وجدت نفسها كـ “الدون كيشوت الذي” الذي يقارع طواحين الهواء، و انتهى بها المطاف تتوسل الإتحاد نفسه الذي اتهمته البارحة بالسرقة، كي يمنحها بعضا من التعويضات عن استغلال خيرات تلك الأراضي، في تنازل غريب، لنتساءل نحن الشعب، لماذا تصر هذه القيادة على إهانتنا..؟ و لما كل هذا الإذلال و نحن أهل عزة و نخوة..؟
و آخر خرجات القيادة، تحدث الرئيس “إبراهيم غالي” عن ما أسماه التطوع للجيش و التحضير للحرب، حيث أعلن عن مشروعه المقبل بخصوص التجنيد الإجباري الذي يرى فيه ضرورة محلة بالنظر إلى التطورات على الساحة الدولية و مستجدات القضية التي تعيش حالة من الاحتباس على المستوى الأممي، خصوصا بعد استقالة المبعوث الأممي الخاص “هورست كوهلر” و عجز الأمانة العامة للأمم المتحدة في العثور على شخصية بديلة للوسيط الألماني، و هو ما يؤكد الضعف الكبير الذي أصبحت عليه الدبلوماسية الصحراوية، و عدم قدرتها المزمنة في ممارسة ضغط على المنتظم الدولي، لأجل إجبار المحتل المغربي على الجلوس للحوار أو لإجبار المنتظم الدولي على تقديم حل عاجل و ناجع للشعب الصحراوي من أجل إنقاذ المسار السلمي للقضية.
غير أن ما يهمنا في هذا التصريح – الحدث، ليس القراءات الممكنة له حتى يصبح واقعا قد يشكل لنا أزمة دولية جديدة على غرار أزمة اليمن، بل على النقيض تماما، ما يهمنا هو فهم الشعب الصحراوي لهذا التوجه الجديد للقيادة، و الذي جاء في ظرفية دولية متناقضة تتسم بالبطء و عدم الاهتمام بالنزاع حول الصحراء الغربية و التركيز الدولي على الأزمة الإيرانية، و أيضا داخليا بما يمكن تسميته بالهدوء النسبي الذي يسبق العاصفة مع بروز مؤشرات عن عدم رضا عام عن اداء القيادة، و هو ما يستلزم ظهور حركة تصحيحية مستعجلة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من القضية الوطنية و إعادة إنتاج جيل جديد من الزعماء لديهم روح الابتكار السياسي.
ما قاله الرئيس “إبراهيم غالي” و ما دعا إليه، أمام التلفزيون الصحراوي يدخل في خانة الإستراتيجية الجديدة التي تتكون من شقين: الأول هو الضغط على المنتظم الدولي و بالخصوص على الأمين العام للأمم المتحدة، أما الثاني هو لخلق نقاش شعبي هامشي قد يرفع معنويات الشعب الصحراوي و ينسي الشباب مساوئ الفضائح التي فجرتها الاستقالات الأخيرة و الصراعات الشخصية داخل التنظيم السياسي، و ما جاء في صحافة الرابوني على أن كلام القائد، قد تكون حملة انتخابية سابقة لأوانها هو مجرد افتراء و رجم بالغيب، لأن الرجل لا يوجد لديه منافس في الانتخابات المقبلة و حتى في الانتخابات التي ستليها و في كل المؤتمرات سيصول و يجول وحيدا، و أن الأسماء التي ستدعي منافسته ستكون مجرد أرقام لمنح المصداقية و الشرعية لعهدته.
و ما يؤكد أن التصريح هو للأغراض الإعلامية السلمية، كون الرئيس كان في اجتماع غير عسكري، و أمام عدد من المسؤولين المدنيين، لأن الأعراف في مثل هكذا تصريحات تحتاج إلى مشاهد قوية تتساوى و حجم الخيار، أو على الأقل أن يلوح بها القائد و هو في بزته الرسمية العسكرية، ثم أنها تصريحات خرجت من فم رجل يعرف جيدا أن مصدر قوة الجيش الشعبي الصحراوي هو الدعم الجزائري، الذي نحن اليوم محرومون منه إلى إشعار آخر، بسبب الوضع الداخلي الجزائري، و بسبب مستجدات الساحة الجهوية و التي أصبحت بعد تتويج المنتخب الجزائري بلقب الكرة الإفريقية أكثر تعقيدا، خصوصا و أن التتويج زاد من قوة الترابط الشعبي بين الجزائر و المغرب، و هو الترابط الذي يشكل عقبة و يكبل السلطة الجزائرية و يجعلها غير قادرة على منح الشعب الصحراوي الضوء الأخضر، لإطلاق أي هجوم انطلاقا من ترابها و باتجاه جيش المحتل، على اعتبار أن الحراك في الجزائر تقوده الجماهير التي هي نفسها تنادي بفتح الحدود مع المغرب و رفع الخلافات التي تعتبر قضيتنا جزؤها الأكبر.
“إبراهيم غالي” يظهر في ذلك اللقاء شاردا بعض الشيء، و تقاسيم وجهه غير متحمسة، و ينظر إلى الطاولة في معظم اللحظات رغم أنه يتحدث عن قرارات جريئة و مفصلية، و هذا النوع من السلوك الخطابي يعرف عند المحللين السلوكيين لخطابات القادة، بـ “الشك القيادي”، حيث يؤكد الخبراء أن القادة عند إلقائهم الخطابات تخونهم الثقة عندما يقولون حقائق لا يؤمنون بها، و لإخفاء تلك العلامات يختلقون في الغالب فواصل زمنية طويلة بين الكلمات، حتى يظن المتلقي أن الزعيم ممعن في التفكير، فيما الواقع أنه يعيش صراعا داخليا مع نفسه، و يضطر حسب الخبراء إلى الاستعانة بالتعبير الجسدي، عبر حركات باليد أو الرأس، أو يرفع صوته ثم يعود لخفضه.
و في حالة الرئيس “إبراهيم غالي” فإن حجم التناقض الذي كان يراه و هو يتحدث جعل الشك يتفوق على خبرته في الإلقاء، حيث اضطر لاستخدام مصطلح “الدبزة” الشعبي للتخفيف من هول الصراع العسكري مع العدو، و إظهار الجيش الصحراوي كطرف قوي في صراع تقليدي بين قوى قد تتساوى في درجات القوة و تسويقه و كأنه تشابك بالأيدي، لأنه في حالة استعان بمصطلحات عسكرية قوية من قبيل الهجوم و الاجتياح و الإغارة، فسيخرج من حالة التناقض و يصبح أمام تهم الكذب، لأن منطق التوازنات العسكرية لا تخدمنا و لا داعي للخوض في تفاصيلها، و يكفي القول بأن المحتل يمتلك من التكنولوجيا العسكرية الرهيبة ما يستطيع به تحديد ماركة حذاء الرئيس أسفل طاولة اجتماع و هو بين قيادات الدولة داخل أكثر مكاتبنا سرية، و لا أبالغ في الوصف.
لذلك علينا كإعلام و كرأي عام أن نكون أكثر موضوعية مع أنفسنا و أكثر واقعية، فما قاله الأخ القائد لا يعدو أن يكون تصريح عسكري لخدمة الأغراض السلمية، داخل المخيمات و بالمنتظم الدولي، لكن يضل سؤال واحد يحيرنا، هو لماذا أصبح الشباب الصحراوي يرفض التطوع في الجيش الصحراوي حتى يضطر الرئيس للاعتراف بذلك أمام عدسات التلفزيون الصحراوي…؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك