بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
في معركته الأخيرة كان الثائر “تشي غيفارا” مرهقا جدا و مثخنا بالجراح، و قد قُتِل معظم رفاقه في معارك ضد تحالف القوات البوليفية، فلجأ لإحدى الحقول بوادي ضيق، فلمحه أحد المزارعين الذي وشى به للقوات البوليفية و حدد لهم مكانه، ليُقتل هناك، و بعدها سأل أحد الضباط ذلك المزارع عن سبب فعلته، و هو الذي كان يدافع عن حقوقهم كفقراء و مستضعفين، فأجابه المزارع: حروبه كانت تخيف ماشيتي و تروعها…، و يلخص أحد الحكماء ما حصل لـ”غيفارا” في مقولة أن الثائر من أجل مجتمع جاهل هو كشخص الذي يضرم النيران بجسده لينير الطريق لرجل أعمى…”، فالخيانة التي تسببت في هلاك “غيفارا” تجرع الشعب الصحراوي من كأسها ما يكوي القلوب، لكن هذه المرة ليس من المحتل المغربي، بل من القيادة التي خرج الشعب ليرفع التكليف و يبادر بعد عجزها، و اكتفائها بالتحريض من وراء الصفحات و إرسال الوسطاء من رموز القبائل، و اليوم هي نفسها تطعن الشعب في خصره و تجز أمام عينيه رقبة أمنياته الشاهقة…!
و بينما نحن نترقب ما ستسفر عنه الأيام القادمة من تطورات بعد منع القيادة للمجموعة الأولى من الوصول الى منطقة الكركرات، و تصيبنا الحيرة في كيفية اقناع العالم بأن ثغرة الكركرات خرق قانوني لاتفاق وقف إطلاق النار، كان ذلك العالم قد قرر أن ينشغل بالصراع الذي اشتعلت نيرانه حديثا في أرض القوقاز البعيدة، بسبب نزاع قديم بين أرمينيا و أذربيجان، و نحن لا يهمنا في هاته الحرب من يكون الظالم و لا من وقع عليه الظلم، و لا تهمنا الأراضي التي اقتطعت من هذا لأجل الآخر، و لا حتى كيف تحول الجدال إلى مناوشات، فحرب طاحنة تنثر الجثث و تفرغ القرى و المدن، بل ما يستحق التحليل هو كيف فشل الأرمينيون، الذين تفاخروا كثيرا بامتلاكهم أيقونات السلاح الروسي في صد هجومات الآذارين، و لماذا وجب علينا الانتباه كصحراويين لما أصاب التسليح الأرميني أمام الأسلحة الأذربيجانية و كيف تبخرت فجأة القوة النارية الصاروخية للأرمن .؟
يقول خبراء التحليل العسكري لمعارك القوقاز، و الذي يهم كثيرا رأيهم قيادتنا بالرابوني و جيشنا الذي لم يطلق رصاصة منذ 29 سنة، اللهم في المناورات الاحتفالية، و أيضا جيش الجزائر الذي له تسليح روسي بنسبة 90%، بأن أرمينيا كانت تمارس ما يسمى بإعلام المعارك الافتراضية، أي أنها كانت تظن بأن وصفة التفوق الكمي و الإعلامي ستجعل الجيش الآذري بدون معنويات، و سيسهل محقه في ساعات من الاشتباك، و الغريب أن الجيش الأرميني يمتلك تسليح نوعي، بحيث لديه نظام دفاع جوي يعتبر أيقونة و رمز التفوق الروسي و هو نظام S.300 البعيد المدى، الذي تحصلت الجزائر على ثلاثة بطاريات منه، و لها منظومة صواريخ الإسكندر الإستراتيجية، و لها جيل من دبابات T.70 و T.90 القوية و الروسية الصنع، و يدعمها عدد من دول غرب أوروبا تقنيا، و لها رادارت رصد هي نفسها التي تستخدمها روسيا في حربها بسوريا، و لأرمينيا كذالك طائرات السوخوي الروسية لتحقيق السيادة الجوية و التفرق في المعارك الإعتراضية…
كل هذا التسليح الذي يشابه إلى حد التطابق ما تتوفر عليه الحليفة الجزائر، لم يصمد أما السلاح الذي استخدمته أذربيجان، حيث اعتمد الجيش الآذري على التسليح الأمريكي و غير عقيدته التسليحية رغم أن أذربيجان كانت مستعمرة سوفياتية سابقة، و استخدمت الرادارات الأمريكية و المقاتلات الهجومية من طراز F.16 و التي أسقطت إحداها طائرة سوخوي روسية من طراز SU-25 في معركة جوية حدودية، و اصطادت الطائرات المسيرة كل دفاعات الأرمينيين و تم إحداث مجزرة في منظومة S.300، و أظهرت قناة TRT التركية مقاطع متلفزة لعمليات عسكرية جوية تظهر بها دفاعات الأرمن و هي تنهار بالتتابع، و قبل هذا السيناريو كانت المنظومات الصاروخية الروسية التي يمتلكها جيش “المشير حفتر” في ليبيا قد شهدت نفس المصير، و نشرت وكالات الأنباء مشاهد لطائرات مسيرة تدمر أنظمة “البانتيسر” في ترهونة، ليصبح الحديث هو ما مدى جدوى اعتماد السلاح الروسي إذا كان ينهار في الحروب الحقيقية.
و رغم أن هناك أخبار عن تسليح نوعي مؤخرا للجيش الصحراوي مضاد للسلاح الجوي و على الرغم من أن الأسماء التي تتحكم في النظام الجزائري حاليا (تبون و شنقريحة) هم الأكثر وضوحا في التعبير عن عداءهم للمحتل المغربي و أنه الحليفة ستقف حتما إلى جانب الجيش الشعبي الصحراوي، و ستمنحنا التفوق المطلوب، سأجيب أصحاب هذا الاعتقاد بأن أرمينيا بترسانتها الحديثة و التي تشابه إلى حد بعيد ترسانة الجزائر و لها دعم أوروبي قوي تقني و آخر مادي…، لم تصمد أمام الأسلوب و العتاد الأمريكي في الحرب، و أن الإخفاق ليس وليد اليوم بل سبق أن شاهدنا كيف أخفقت أنظمت الدفاع الخاصة بـ S.400 في سوريا حين عجزت عن صد 59 صاروخ أمريكي أطلقته المدمرة باتجاه قاعدة الشعيرات السورية الجوية….
نحن هنا لسنا نسوق للخوف كي نثبط من عزم الجيش الشعبي، و لكن الشجاعة وحدها لا تكفي في زمن التفوق التكنولوجي و القوة النارية الرهيبة للسلاح الغربي أمام نظيره الشرقي، و هذا المستجد الميداني في الصراع بين تسليح المعسكرين يجعلنا نخشى من تورط جيشنا في معركة مفتوحة مع جيش الاحتلال و خوفا من أي نتيجة مأساوية قد تمنح المحتل هدية ليجهز بها على أحلامنا المؤجلة لخمسة عقود، و أفضل التنبيه و إخلاء المسؤولية، على رؤية الخطر و التآمر بالصمت عليه، و المخاوف فعلا كانت قد بدأت عندما عجز جيش “بشار الأسد” بكل الدعم التقني الروسي على تركيع الملشيات المسلحة بالعتاد الخفيف، و كبرت هذه المخاوف في معارك ليبيا و تسلسل هزائم “حفتر” مع مرتزقة “فاغنر” و العتاد الروسي، و أخيرا انهيار دفاعات أرمينيا ضد الأذرين، و قبل أيام أوشك المحتل أن يطلق حملة عسكرية لمجرد أن أحد قادتنا أخطأ التقدير و الحسابات و دفع ببعض المتحمسين لركوب الشاحنات و إغلاق ثغرة الكركرات، و لكم أن تتوقعوا ما كان سيحدث مع وجود هذه المعطيات الميدانية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك