المحتل المغربي يواصل سياسة استقطاب الدول لافتتاح قنصليات بالصحراء الغربية و يسعى لمفاوضات مباشرة مع الجزائر
بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
مرة أخرى يعود الرئيس التونسي السابق، “منصف المرزوقي”، ليرمي الملح على جراح القضية الصحراوية، و يستفز النظام الجزائري بخرجته الإعلامية الأخيرة التي قال فيها “أنه لو طلب منه فتح قنصلية في الصحراء الغربية، لرفض الأمر، ليس حبا في اللاجئين الصحراويين و لا حتى نكاية في الدولة المغربية، و لكن احتراما لمشاعر النظام الجزائري… !!“، هذا التصريح قد يقرأه الإنسان للمرة الأولى فيظن أن الحملة الإعلامية التي شنها نشطاء صحراويون على هذا السياسي المثير للجدل في دولة تونس، قد أثمر أخيرا موقفا متزنا، غير أن العارفين بعمق الإيحاءات السياسية، يرون في هذا التصريح توريط مباشر للجزائر في النزاع حول الصحراء الغربية، و هو مقدمة لمرحلة جديدة من الهجوم الذي يشنه المحتل المغربي في الصراع الدبلوماسي و السياسي في الملف الأحجية.
فنحن اليوم لن نناقش افتتاح القنصلية السنغالية بمدينة الداخلة المحتلة، و التي أتمت عقد الـ 21 قنصلية أجنبية بالأراضي المحتلة، موزعة بين 10 بالداخلة و 11 بالعيون، و تكاد تتحول معها ظاهرة افتتاح القنصليات بالمدن المحتلة إلى عادة دبلوماسية للدول الإفريقية، بل سنناقش التصريح الذي أدلى به وزير خارجية دولة الاحتلال، “ناصر بوريطة”، حيث قال :”أن المفاوضات إن كان لا بد منها فستكون مع الطرف الرئيسي الجزائر و أن لا مفاوضات مع أي طرف آخر…”.
ما قاله “بوريطة” يضع قيادتنا أمام خيارين كلاهما كارثي؛ فإما أن تقبل الجزائر بالدخول في المفاوضات كطرف رئيسي، و بالتالي يصبح المشروع الوطني للشعب الصحراوي مجرد قضية خلافية بين بلدين جارين، حيث تتهم دائما الرباط الجزائر بكونها هي العقل المدبر لقضية الصحراء الغربية و أنها تشكل محور كل خرجات السياسيين و الوزراء و الاقتصاديين و الدبلوماسيين و البرلمانيين و الرياضيين و قيادات الجيش و الإعلام و المساجد… بالجزائر.
و في حالة رفضت الجزائر الاستجابة لمقترح التفاوض المباشر مع المحتل، فإننا سنكون أمام الفرضية الثانية التي يمكن أن نطلق عليها حالة “البلوكاج” في الملف، و هذا يخدم مصلحة دولة الاحتلال التي ترى أن ملف الصحراء الغربية انتهى بعد الاعتراف الأمريكي الأخير، و تأكيد الأمر من طرف الرئيس الجديد “بايدن”، و تقبل هذا القرار من طرف الدول الكبرى لمجلس الأمن بعد تعميمه عليهم، و هذا يفسر كذلك جانبا من العنجهية التي تتكلم بها الرباط من خلال رفضها مفاوضة قيادتنا، كرد فعل ضدها بسبب إعلانها استئناف الحرب و الخروج من اتفاق وقف إطلاق النار، و بسبب التصريح الشهير للأخ “ابراهيم غالي” في أول يوم للحرب الذي قال فيه: “سنتحدث مع المحتل باللغة التي يفهمها”،.
لكننا نحتاج لفهم سر الإلحاح على التفاوض، بدءا من الدعوة التي وجهها وزير خارجية دولة الجزائر “صبري بوقادوم” إلى من أسماهم طرفي النزاع، في إشارة إلى القيادة الصحراوية و المملكة المغربية، حيث دعا بشكل مباشر في وسائل الإعلام الرسمية الجزائرية إلى ضرورة التفاوض الجدي لإيجاد حل نهائي لهذه الأزمة، و دعا إسبانيا للتدخل في الملف، و قبلها توجه القيادي الصحراوي “البشير مصطفى السيد”، إلى دولة موريتانيا و سربت مصادر دبلوماسية لقناة “فرانس 24” أن هذا الأخير استعطف الرئيس الموريتاني و قدم تنازلات بعدم توريط نواكشوط في أي أزمة مع الدول المجاورة لها، مقابل أن يتكرم النظام الموريتاني بلعب دور الوساطة، و يحمل رسالة من القيادة الصحراوية إلى الرباط تتضمن طلبا لاستئناف المفاوضات، و هو الأمر الذي رفضته الرباط جملة و تفصيلا، و ألغت الزيارة التي كان من المنتظر أن تدخل في هذا النطاق لوزير الخارجية الموريتاني.
المعطيات المتوفرة تقودنا لفهم أن هنالك مقاربة جديدة للمحتل المغربي الرافضة للمفاوضات مع قيادتنا، و ترفض أيضا كل أشكال الوساطة، و أنها تضغط لصالح أن تحسم الأمر إما بالتفاوض المباشر مع الجزائر، أو بحرب شاملة مع الجزائر، و الدليل على هذا الكلام أن تسريبات جرت في الإعلام الإسرائيلي تفيد بأن الرباط لن تسامح الجزائر على ما تسببت فيه من مشاكل ترابية للمغرب، خصوصا المشكل الأخير في منطقة “العرجة” الحدودية قرب مدينة فكيك، و أن الرباط تسعى للحسم نهائيا في قضايا حدودية مع الجزائر في ظل التأييد الدولي التي تحظى به مؤخرا، و تنامي قوة تحالفاتها، و تراجع التأثير الدولي للحليف الجزائري، و أن ملف الصحراء الغربية تحول في الشهور الأخيرة إلى أداة فقط بيد دولة الجزائر، التي بدورها تحاول تشتيت انتباه العالم عما يجري داخل البلاد.
يزداد الأمر تأكدا بالعودة لفتح محتوى التقرير الذي أصدره مركز “مجموعة الأزمات الدولية” بواشنطن، و الذي حذر من تدخل عسكري جزائري في ملف الصحراء الغربية، و استبعاد بقاء الجزائر على حيادها، و هو التحذير الذي أخذته الرباط على محمل الجد، و اعتبرت شرارته ما جرى في منطقة “العرجة”، و اعتبرت إرسال النظام الجزائري جنودا لأجل منح مهلة لفلاحين المغاربة، قبل مغادرتهم تلك الأراضي بمثابة استفزار مباشر، و تنصل من اتفاق “إفران” الذي يمنح المزارعين حق استغلال أراضي يمتلكونها داخل التراب الجزائري.
الإجراء الذي اعتمدته الرباط لإظهار استعدادها للمواجهة العسكرية هو تمددها و تحريكها للجدار العسكري، و ابتلاعها لأجزاء كبيرة من الأراضي المحررة التي اختفت في أسبوع فقط من خارطة المنطقة، و أصبحت الحدود بين الصحراء الغربية المحتلة و دولة موريتانيا و حتى مع الجزائر قرب تندوف، أي أن الرباط تريد أن تبلغ الجزائر بأنها قربت المسافة بين الدولتين و أنها على استعداد لأي خيار و لا تخشى المواجهة.
هنا نعود إلى وضع القيادة الصحراوية و إلى التنبؤ بالمستقبل القريب، و الذي يقول أن التصريحات التي تناقلتها و سائل الإعلام لوزير خارجية الرباط “ناصر بوريطة” خلال افتتاح قنصلية دولة السنغال بمدينة الداخلة المحتلة، كانت موجهة إلى النظام الجزائري و الموريتاني على حد السواء، و يستثني منها القيادة الصحراوية، و هذا يجعلنا نحكم على قيادتنا بأنها فشلت بشكل ذريع في الضغط على الرباط باستخدام اللغة التي يفهما الاحتلال، و حمل السلاح لإجبار الرباط على التفاوض، و بالتالي أخلفت الموعد مع الشعب الصحراوي، و من جهة أخرى فقد زادت من تأزيم الوضع بأن أصبح الملف تتقاسم مصيره دولتين هما المغرب و الجزائر و أن الشعب الصحراوي أصبح كحال الأطفال الضائعين بعد طلاق زوجين.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك