الجزائر تقتنع باستحالة انضمامها إلى “بريكس” و تدفع بـ “عطاف” إلى لعب بعض الأوراق التصعيدية التي زادت من أزمتها إقليميا و عربيا
بـقـلـم : بن بطوش
لا بد أن نتعافى من هذه الأوجاع العربية، و لا بد أن نجد ما نوقف به هذه الفوضى التي ورثناها عن القومجيين و البعثيين و أصحاب العمائم و أئمة الدين السياسي…، و التي لا تقود إلا للدمار و الخراب و الشر…، ثم إن الشعور بالخذلان سيء و محزن و قاهر جدا، ذلك أن طهران ألِفت التخلي عن حلفائها و شيَّعها و ميلشياتها و من والاها…، و كلما اشتد الطوق على رقبتها إلا وقطعت الحبل في منتصف البئر بمن ربطتهم معها ، حيث نقل موقع AXIOS الإخباري المتخصص في التسريبات الشديدة الحساسية، و الذي تنهل منه جميع الفضائيات الإخبارية عبر العالم، بأن إيران منعت “حزب الله” من مهاجمة إسرائيل، و رفضت طلبا لقيادة الحزب يناشد فيه “الحرس الثوري” للمشاركة في الحرب على إسرائيل بشكل فوري لإنقاذ جنوب لبنان، لكن النظام الإيراني أجاب “حزب الله”: “أن اذهب أنت وربك فقاتلا….”.
غدر الإيرانيين و وقاحتهم لا يمكن التنبؤ بها و لا يعادلها غير غدر الكيان الإسرائيلي؛ فالرئيس الإيراني “مسعود بزشكيان” و خلال لقائه مع وسائل الإعلام الأمريكية بنيويورك، وصف الحوثيين بالإرهابيين و المتطرفين و تبرأ من أعمالهم العسكرية ضد المصالح البريطانية و الأمريكية و الإسرائيلية في المنطقة العربية،… و العالم يعلم أن الحوثيين صناعة إيرانية خالصة و موجهة لتدمير اليمن السعيد و ما حوله، و أضاف الرئيس الإيراني أن بلاده لا تشكل أي تهديد لدول المنطقة و مستعدة للتفاوض مع الولايات المتحدة الأمريكية حول برنامج طهران النووي دون شروط مسبقة…، بل الأكثر أن ثمة معلومات نقلتها حسابات لخبراء عسكريين تقول بأن النظام السوري، نقل تعليمات عن القيادة الإيرانية إلى الشعب و الأجهزة السورية، بالتبليغ عن أماكن عناصر “حزب الله” فوق التراب السوري، و عدم التواجد بالقرب منهم حتى لا يكونوا ضحايا خلال القصف الإسرائيلي لأماكن تجمع أفراد ميلشيات هذا الحزب و أعوانه.
هذه الأخبار و ما يتعرض له جنوب لبنان من خذلان و قبله “حماس” في قطاع غزة…، يذكرنا بنكسة جيشنا الشعبي الصحراوي خلال نكبة الگرگرات، حينما دُفعنا دفعا من طرف الحليف الجزائري لغلق المعبر ، و أيضا بإصرار من الحليف و بتوصية من خبراء عسكريين شيعيّين كانوا يزورن المخيمات و يقدمون الدعم المادي و المعنوي للقيادة الصحراوية…، و بعدما تورطت مجموعتنا المحتجة لأسابيع في معبر الگرگرات أغلقت خلالها الطريق و اقتلعت الإسفلت من المسار المعبد و استفزت التجار المغاربة العابرين بشاحناتهم نحو موريتانيا، رفض الحليف الجزائري أن يُخرج قواته للدفاع عن الأفراد الذين أغلقوا المعبر و وجدوا أنفسهم وجها لوجه مع آلة عسكرية جرارة للمحتل المغربي، كشفها هذا الأخير في لحظة نفاذ صبر و بعدما أخذ الضوء الأخضر من الأمم المتحدة، فخرج علينا كبير الجيش الجزائري “سعيد شنقريحة” يقول في خطابه الشهير، أن الجيش الجزائري هو للدفاع عن الجزائر و الجزائريين فقط، و كأن مخيمات أهالينا بتندوف تقع فوق سطح القمر، و بعدها ضغط الحليف على قياديينا القابعين بالبيت الأصفر بالرابوني للرد على تحريك جيش المحتل المغربي لآلته الغادرة، بالتنصل من اتفاق وقف إطلاق النار، و دفعوا بشبابنا إلى أم المهالك، و انطلقت حرب بلاغات الدك و الاقصاف، فانطلقت حرب القط و الفأر بين جيشنا الشعبي الصحراوي و مُسيَّرة “يعني”، التي ترى و تستهدف مقاتلينا من حيث لا يرونها…، فكان و لا يزال النزيف في قضيتنا بينما المحتل منشغل ببناء وطنه.
و لأن الدنيا دوّارة، فالحليف تذوق من ذات الكأس التي تجرعناها، و خُذِل كما خُذِلنا، و نحن لا نشمت في حاله و لا ينبغي لنا، و لكن ثمة نقاط استفهام في علاقة قصر المرادية بقضيتنا الوطنية، تستوجب منا التحليل و المراجعة و توقع النتائج المستقبلية قبل حدوثها…، إذ سرب الإعلام الأمريكي صور اللقاء الذي جمع بين وزير الخارجية الروسي،”سيرجي لافروف”، و نظيره الجزائري ” أحمد عطاف“، و كان القياس أن يُعلن الإعلام الأمريكي بأن اللقاء كان بخصوص طلب الجزائر من موسكو دعم القضية الصحراوية و عرقلة مساعي الرباط و حلفائها في مجلس الأمن…، خصوصا و أن الكفة مالت في السنوات الأخيرة كل الميل باتجاه الرباط، لكن ما نشره الإعلام الأمريكي كان محبطا لنا كصحراويين؛ فاللقاء الذي جرى بين الوزيرين كان من أجل تقديم عروض مغرية إلى الروس، حتى يقبلوا بضم الجزائر إلى مجموعة “بريكس”.
و الصدمة أن “لافروف” لم يحاول الرد بعبارات ملتوية و فضفاضة من قبيل: “سنرى”… أو “سنحاول”… أو “سنعمل”، بل كان صريحا و مباشرا في جوابه حيث أبلغ “عطاف” بأن مسألة دخول الجزائر إلى “بريكس” مستحيلة تماما، و قدم له سببين يجعلان الأمر غير ممكن حاليا؛ الأول يخص قيمة الدينار الجزائري المنهارة، و قال له أن هذا الفارق الكبير في قيمة العملة الجزائرية مقابل العملات الدولية سيشكل عبئ على عملة “بريكس” الموحدة، و الثاني أن الاقتصاد الجزائري غير متنوع و مبني على الريع لأنه مرتبط بالمحروقات بنسبة 90%، و أن هناك توجه عالمي في السنوات المقبلة نحو الاستغناء عن المحروقات و استبدالها بالطاقة النظيفة، موضحا أن أي أزمة عالمية أو انهيار لسوق المحروقات سيُسبب نكسة اقتصادية و اجتماعية للجزائر و بالتالي ستصبح “بريكس” أمام خلل هيكلي خطير، سيتطلب إصلاحه العودة إلى الوراء لتركيز الجهود من أجل مساعدة دولة منهارة بدل مواصلة برامج التنمية لدول المجموعة.
أمام صراحة “لافروف” بخصوص الأسباب التي تحول دون انضمام الجزائر لـ “بريكس”، كان لـ “عطاف” طلب أخير للوزير الروسي، حيث أبلغ هذا الأخير بأن تكون روسيا عادلة في هذه المسألة و أن عليها أن ترفض كذلك عضوية المغرب إذا حاول الانضمام لهذا التكتل الاقتصادي، فرد عليه “لافروف” بأنه في المدى القريب لا نية لدول “بريكس” في انضمام دول جديدة لهذه المجموعة الاقتصادية، رغم وجود إصرار من دول مثل السعودية و الهند و الإمارات العربية لإدخال الرباط، مؤكدا بأن هذه الأخيرة لا تزال مترددة رغم توفرها على اقتصاد جيد و متنوع، لكنها لم تقدم إلى الآن أي ملف للانضمام إلى المجموعة و يبدو أنها لديها تصورها الخاص و تحاول أن تكون صاحبة المبادرة في بناء تحالفات تستجيب لطموحاتها (في إشارة إلى تحالف دول الساحل و التحالف الأطلسي الإفريقي) و تدرس بتأني إمكانية تقدمها بطلب لـ “بريكس”، و حتى الآن يبدو بأن الرباط غير مهتمة، و تريد فقط الحصول على الاستثمارات من “بريكس”.
فور إخباره بنتائج اللقاء و رفض الروس الواضح لانضمام الجزائر إلى “بريكس”، حاول قصر المرادية أن يُرسل برقية إلى موسكو لتليين موقفها، فأمر “عطاف” بلقاء وزير الخارجية الأوكراني و إبلاغه أن الجزائر تدعم وحدة التراب الأوكراني، و هو الحدث الذي ردت عليه روسيا ساعات بعد تداوله في الإعلام و الحسابات الرسمية، بدفع نائب وزراء مالي والمتحدث باسم الحكومة الانتقالية بدولة مالي، العقيد “عبد الله مايغا”، خلال مداخلته بالجمعية العامة للأمم المتحدة، لوصف الجزائر بالدولة الراعية للإرهاب، و أبلغ قصر المرادية أن “مالي التي شاركت الجزائريين حربهم التحريرية ليست ولاية جزائرية”، و أضاف : “سنرد بالمثل عن كل كلمة تُستخدم بشكل غير لائق؛ و عن كل رصاصة تُطلق علينا”.
كما أعطت القيادة الجزائرية الضوء الأخضر للإعلام الرسمي كي يُعلن للرأي العالم أن ملف “بريكس” تم إغلاقه نهائيا، و أن الجزائر ستبحث عن شراكات أخرى، لكن ما أوجع قصر المرادية في الرد الروسي، هو دور الإمارات و جهودها لإقناع الرباط بالانضمام إلى التكتل، فكتب الإعلام الرسمي الجزائري في صفحاته الأولى، أن إمارة خليجية هي التي تعارض انضمام الجزائر إلى “بريكس”، و تم إفهام الرأي العام الجزائري أنه ليست الجزائر هي التي لا تستجيب للمعايير، بل العداء العربي – الإماراتي للجزائر هو ما يقف بينها و بين العضوية في هذا التكتل، و رد الإعلام الإماراتي على هذه الاتهامات بأن مجموعة “بريكس” ليست شركة إماراتية تُوظف فيها أبو ظبي من تشاء و تمنح العضوية لمن تشاء…، و المصيبة أن الرأي العام الجزائري يُصدِّق هذا الكلام و يُبدي حقدا ضد الإمارات العربية و يتقوَّل على حكام هذا البلد العربي.
و بعد ساعات من نشر الإعلام الجزائري لتلك الأخبار و التحاليل التي تدين الإمارات العربية، أعلنت وكالة “رويترز” أن سفارة الإمارات العربية في الخرطوم تعرضت للقصف، بواسطة طائرات MIG-29 التي أهدتها الجزائر إلى السودان، لتدعم الجيش النظامي في حربه ضد ميليشيا “الجنجويد” التي تسمى بـ “قوات التدخل السريع”….. فهل هي صدفة أن يتم قصف سفارة الإمارات في ظل هذا التصعيد الإعلامي الجزائري ضد الإمارات ؟؟!!!
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك