بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول الأديب الروسي الكبير “دوستويفكسي”، في واحدة من إبداعاته: “ماذا لو كان العنكبوت الذي قتلته في غرفتك يظن طوال حياته أنك رفيقه في السكن…؟”، القصد هنا أن ما نراه نحن إنجازا عظيما للقيادة الصحراوية قد يكون وجعا لمن تربطنا بهم وشائج الأرحام…، ذلك أنه حتى بنجاحنا في إغلاق الثغرة الملعونة، سنفتعل أزمات في بلد شقيق و سنصيب مائدة الشعب الموريتاني بوعكة، و عوض أن يصرخ المحتل المغربي، سيصرخ عوضا عنه الأحبة في موريتانيا، و هو الأمر الذي انقسم حوله المدونون من بلاد شنقيط بين مستنكر و داعم للجماعة المرابطة بمنطقة الكركرات، حيث بعض كتب النشطاء، من شعب المليون شاعر، على صفحاتهم ما يؤدي الشعب الصحراوي و يجرح مشاعره، فيما المحتل المغربي – و كعادته- منشغل عن هذا الإغلاق الظرفي بإرسال أرقام الخسائر المادية إلى الأمم المتحدة، ليزيد من النار على طنجرة الضغط بمجلس الأمن، حتى يبدع توصية تنسجم مع شهية الرباط خلال السنة المقبلة.
الأخبار الواردة علينا من أسواق نواديبو و نواكشوط تفيد بأن أثمنة الخضروات تضاعفت أكثر من مرتين، و أن السؤال الذي يشغل الموريتانيين حاليا هو أين هي الخضر الجزائرية التي وعدت بها الحسابات التي تنقل الأخبار عن قصر المرادية و عن البيت الأصفر بالرابوني؟، و التي قالت أن شاحنات الخضروات و المواد الاستهلاكية الجزائرية البديلة عن تلك الواردة من ضيعات و شركات المغرب ستغرق السوق الموريتاني و ستخفض الأسعار الى الحد الذي لا يتوقعه أحد، غير أن الصحف الجزائرية تتحدث – منذ ما يزيد عن شهر و بإسهاب هذه الأيام- عن ندرة في الخضروات و عن ضعف الإنتاج الفلاحي و عن عجز و نقص حاد في تلبية الطلب الداخلي، ليتحول التساؤل إلى النبش في أسباب تلك الدعاية الفايسبوكية مادامت الجزائر تعجز عن توفير أمنها الغذائي، و أي بديل ستقدمه القيادة الصحراوية للدولة الموريتانية حتى لا نحصل على عداء مجاني من سياسييها و مواطنيها، ثم أخيرا لماذا لم يشتكي المحتل المغربي حتى الآن اقتصاديا من غلق المعبر و كيف يتدبر أزمته و هل هناك فعلا أزمة أم فقط ظرفية بمناخ سياسي لا تختلف كثيرا عن ما يفعله الطقس بطرق الصحراء الغربية خلال مواسم الفيضانات …؟
جواب هذه الأسئلة في الورقة الاقتصادية التي لعبتها – منذ مدة طويلة- الرباط ضد إسبانيا، حينما قررت إغلاق معبرين، كل واحد منهما تمر عبره بضائع بمليارات الدولارات، و كل معبر منهما يحقق تبادلا تجاريا لصالح إسبانيا يساوي ما يحققه معبر الكركرات ثلاثة مرات، و إغلاقهما تسبب في كارثة اقتصادية للمدينتي سبتة و مليلية الخاضعتين لسلطة اسبانيا، و اندلعت على إثره أزمة صامتة بين الرباط و مدريد، و حرب كسر عظام مستمرة إلى الآن، و كي تحرج مدريد الرباط و تضعف تنافسية صادراتها داخل الإتحاد الأوروبي، فقد فرضت على الشاحنات القادمة من المغرب التزود بالوقود داخل إسبانيا كي تكمل مسيرتها إلى عمق أوروبا، ليرد عليها المغرب بفرضه على كل مؤسسة اقتصادية إسبانية تنوي التصدير إلى المغرب، أن تتوفر على شريك مغربي كي تحصل على ترخيص لعبور منتجاتها عبر شاحناتها، أو تفريغ الحمولة بالميناء و تركها للشاحنات المغربية التي تعود من أوروبا فارغة للقيام بعملية نقل تلك البضاعة إلى المدن المغربية.
و لنفهم أكثر، و حتى نعرف المستوى الذي تدور به الأحداث و تأثيرها على قضيتنا، وجب الإطلاع على الأرقام التي تقول بأن حجم التجارة بين إسبانيا و المحتل تبلغ حوالي 13 مليار أورو، و هو رقم ضخم جدا، مع دولة واحدة في أوروبا، غير أن الميزان التجاري كان دائما لصالح الأسبان، و معركة كسر العظام التي بدأها المحتل المغربي في سبتة و مليلية، مكنته من قلب المعادلة و جعل الكفة لصالح الرباط، و عندما فرض الأسبان على الشاحنات المغربية التزود بالوقود من إسبانيا، استغل المحتل ميناءه المتوسطي و بدأ في تحميل تلك الشاحنات بحرا إلى عواصم الدول الأوروبية، فيما لا يدخل إسبانيا غير الشاحنات التي ستفرغ حمولتها بهذا البلد، و بالتالي فقدت إسبانيا حتى المداخيل الجمركية المهمة التي كانت تحصل عليها من الشركات المصدرة عبر ترابها و التي كانت تعبر شاحناتها باتجاه باقي دول الإتحاد.
و قد كان القياس أن يعاني الاقتصاد المغربي بسبب أزمة وباء كورونا و فرض الأسبان لشروط التصدير عبر دولتهم و إغلاق معبر الكركرات مع موريتانيا، لكن ما حدث عكس ذلك؛ فالذي تضرر من إغلاق المعبر غير الشرعي في الصحراء الغربية، هم دول الغرب الإفريقي و بدرجة أكبر دولة موريتانيا التي تضرر أمنها الغذائي، فيما الإجراءات الإسبانية لم تكلف المحتل غير قرار بتحويل الشاحنات نحو أرصفة الميناء المتوسطي بمدينة طنجة و تحميلها على سفن الشحن إلى العواصم الأوروبية، و استطاع بذلك المحتل تحويل أزمة كورونا إلى محفز اقتصادي و أطلق برامج تنموية لتحسين الإنتاجان الصناعية و الفلاحية و الحرفية بمليارات الدولارات…
لكن ما يجب الإشارة إليه هو الدور الخفي للحليفة الجزائر في هذه الحرب الاقتصادية، و كيف أن رئيس الوزراء الإسباني بعد زيارته إلى الجزائر عاد إلى بلاده و بدأ في سن القوانين الاقتصادية لمحاصرة الرباط، و حصل “بيدرو سانشيز” خلال تلك الزيارة التي قيل أنها لأجل وضع تفاهمات إسبانية جزائرية لمحاربة الهجرة غير الشرعية، على مجموعة من الامتيازات أهمها حصول إسبانيا على الغاز الجزائري بمقابل زهيد و بخس جدا، لقاء القبول بتمديد عقد التوريد للأسبان و أيضا محاصرة البضائع المغربية بأوروبا….نحن لا نقصد من هذا الكشف شيطنة الحليف، بل العكس، أننا نريد أن نظهر كيف أن الحليف و القيادة الصحراوية عاجزان عن محاصرة عدوهما المشترك اقتصاديا و أن نظهر أسباب الفشل التي تبدو شبه مستحيل معالجتها، لأن قوة الاقتصاد المغربي في بنيته التحتية و في قدرته على التأقلم، و أيضا في قوة العلاقات الدبلوماسية لدولة الاحتلال ، حيث تتعرض إسبانيا لحملة داخل الإتحاد الأوروبي بسبب ما تفرضه من قيود على شاحنات المغرب، و تتعرض الدولة الصحراوية لضغوط دولية كبيرة جدا قد لا تتحملها و قد تكلفنا قرارات أممية محرجة جدا للقضية.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك