بـقـلـم : أغيلاس
أصاب شيخ العاشقين “جلال الدين الرومي” كبد الحقيقة حين قال : “لا يسيء الظن بك من عرفك بقلبه لا بعينه”، لهذا نحن لم نسئ يوما الظن بقضيتنا و لم نجحد حبها، و ننظر إليها من عين العقل، لأن كل ما كتبناه و نكتبه و سنظل على العهد في كتابته، كان و سيظل غيرة و حبا نبوح به نقدا بعدما فطمنا أقلامنا باكرا، حتى لا تألف محبرة مداد مكاتب القيادة، و حتى لا يقودنا هذا الحب إلى الأقبية المظلمة للبيت الأصفر و مجالسة “الهنتاتة”…، حبنا مختلف للقضية و لا يحتاج لشرح أو تبرير، و حجتنا في ذلك أننا ندعوا الجميع، قيادة و شعبا، إلى الوقوف على صخرة الحقيقة و النظر منها إلى القضية، ندعوكم إلى التوقف عن جعل أنفسكم أول من يهدم سقف القضية…، نحن ننثر الوعي لتستمر الثورة رغما عن إرادة من ينشر الجهالة و يعتنق عبادة أوتان القادة الذين هم ميتون لا محالة.
و رغم أن الأسف عظيم على حال القضية، و على ارتجالية قيادتنا التي لا تبالي بالانهيارات التي تحدث من حولها، ذلك أن الأخ القائد ترك التحقيق في قضية حرق شابين صحراويين رفضت أسرتيهما دفنهما قبل الإطلاع على نتائج التحقيق، و لم يبالي لأمر نساءنا و شيوخنا الذين أرسلهم مدججين بالأعلام و تركهم على مسافة صفر من دبابات الأبرامز التي تنتظر الأمر لمسح من عليها… ثم خرج لتدشين حملة بيئية و كأن مخيم أوسرد مدينة ذكية ينعم فيها المواطن بكل الرفاهية و لا ينقص شعبها غير حملة للنظافة…، فيما المحتل لا يترك لحظة إلا و يستثمرها في خنق الأمل المتبقي لنا في الوطن، بعدما رفع التحدي إلى أعلى الدرجات و هو يقود دبلوماسيته إلى معارك تنتصر فيها بالضربة القاضية، حيث رفع سقف التحدي إلى مستوى قياسي مخيف، و نشدد على كلمة مخيف جدا، و نشرحها أكثر بعد أن قررت دولة الإمارات العربية المتحدة فتح قنصليتها بالعيون المحتلة.
القضية ليست بالبساطة التي تعودنا عليها في مواجهة خبر فتح القنصليات، هذه المرة المصاب جلل، كما يقول فقه النوازل، و يحتاج إلى فتوى من حجم الحدث، و وصول الإمارات إلى الصحراء الغربية له وزنه و سياقه و له قراءاته التي تختلف عن كل القراءات، لأن الإمارات العربية أصبحت إمبراطورية مالية ضخمة، و تمتلك قدرات مالية و سياسية و إعلامية رهيبة، و لها تواجد استثماري كبير في دولة موريتانيا، و تمتلك لوبي داخل مراكز القرار الأمريكي يفوق التوقع و داخل التكتلات الاقتصادية الكبرى و لها امتداد مالي عميق في البنك الدولي، و تتحكم في حوالي ربع المبادلات التجارية الكونية بسبب امتلاكها موانئ جوية و بحرية عالمية في القارات الخمس، و لها وصول و اختراق لشركات التسلح العالمية داخل الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا و آسيا، و الأكثر خطرا أنها دولة قوية إعلاميا و تمتلك التأثير و القدرة على توجيه الرأي العام.
في المقابل الواقع يقول بأن جمهوريتنا كانت و لا تزال بحكم المعطيات المتوفرة على نفس الوضع في المنفى الاختياري و لم يتطور مشروعها و لا توجد علامات على أن ثمة مستقبل مبهج للشعب الصحراوي، القابع منذ حوالي النصف قرن في تجمع للاجئين بمخيمات منصوبة فوق التراب الجزائري، و أن أهالينا بأرض اللجوء لا يتجاوز تعدادهم الـ 160 ألف مواطن صحراوي بحسب قوائم “ولد البوحبيني” بالهلال الأحمر…، و التي على أساسها تصلنا مساعدات المانحين التي تمر بمحاذاة المخيمات و لا تقف إلا في أسواق الزويرات و شمال مالي، و أن الإمارات العربية لا يمكن أن تحيد في دورها عن باقي كبار دول الجامعة العربية و مجلس التعاون الخليجي، كالعربية السعودية التي تمسك العصا من مكان يمنحنا نحن 0.01% الاهتمام الذي يصلنا في رمضان في صناديق التمر، بينما يحوز المحتل 99.9% من الاهتمام و الرضا و المحاباة، و أن هذا الواقع لا جديد فيه، و هو امتداد لسياسة تعودنا عليها، و لم تستطع قيادتنا و لا الحليف الجزائري، زمن العلاقات المميزة بين “بن بلة” و “جمال عبد الناصر” من تغييره، و يستحيل عليها اليوم الاستثمار لتغييرها.
نعود لفهم خطورة فتح قنصلية للإمارات العربية بمدينة العيون المحتلة، و حسب ما جاء في الحوار الذي دار بين سفيرنا “أبي بشريا” و الأستاذ الجامعي “منار السليمي”، الوجه المألوف في دفاعه عن طرح الاحتلال في منصة فرانس 24، حيث حاول “بشرايا” بطريقة تقليدية و مكشوفة التقليل من الخطوة و ربطها بحملة التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، لكن الصحفي المدير للمعركة الكلامية، ناب عن “السليمي” في الجواب، و قال : أن المغرب الذي يمتلك أزيد من مليون مواطن من أصول مغربية بإسرائيل ليس في حاجة لفتح قنصيلة كي يقبل بالتطبيع، و أن الماضي القريب يخبرنا بأن المحتل يستطيع تدبر قضاياها بعيدا عن أي مساعدة، بمعنى أن طرح دبلوماسينا في البرنامج لم يستطع أن يجعل الصحفي يقبل بالفكرة في البرنامج فكيف سيقبلها المتابع للحوار من الشعوب المغاربية، و هنا مكمن الخلل في الخطاب القيادي.
يزيد المعني تعمقا و إحراجا لقيادتنا، فهم أن خطابنا الإعلامي على المنصات الدولية لا يزال يتبنى الخطاب العاطفي، و لا نزال نعزف على وتر القومية العربية، و رغم فشلنا التاريخي في الربط بين القضية الصحراوية و القضية الفلسطينية، لا نزال نكرر العملية لنحصل على نفس النتيجة، و اليوم بعد تأكد فتح القنصلية العربية الأولى، يكون المحتل قد تمكن من ضرب عدة عصافير بحجر واحد، أي أنه أصلح أعطاب علاقاته مع الإمارات العربية بعد أزمة صامتة و طويلة، و زاد من تقوية نفوذه الدولي داخل التكتلات الاقتصادية و هو النفوذ الذي يتحكم في القرار السياسي لدول تمتلك رأيا قويا داخل المنتظم الدولي، و منح دول مجلس التعاون و الجامعة العربية مساحة للاقتراب أكثر منه في العلاقات الثنائية…، و أولى تأثيرات الإنزال الإماراتي في العيون المحتلة أصبح جليا و سيكتشفه الجميع في القرارات الأممية القادمة، بعد تسرب كلام من داخل مجلس الأمن عن إمكانية إلغاء خيار الاستفتاء بنص أممي صريح، و احتمال طلب الأمم المتحدة من الشعب الصحراوي البحث عن ممثل جديد أكثر مرونة.
الدبلوماسية المغربية لا تتحرك بعشوائية و لا تطلق المواقف الاعتباطية و الغبية التي ألفناها من قيادتنا، و حظنا العاثر أن لنا عدوا عليما بعيوب قيادتنا و بغاية المكر و الدهاء و له عقول تقود حملته من نصر إلى آخر فيما كل خياراتنا عاطفية و قومية و تثب بنا من حفرة إلى أخرى، و تلك الوقفات التي تدفع إليها نسائنا و شيوخنا أمام جدار الذل و العار و تسوقها فيسبوكيا كانتصار عظيم، جعلت أعضاء مجلس الأمن تستصغر قيادتنا و تزدريها، فهل تعي قيادتنا حجم الضرر الذي سببته للملف في أروقة المنتظم الدولي..؟
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك