بـقـلـم : أغيلاس
تقول حكاية شعبية طريفة، أن شابا أتعبته البطالة و لم يجد عملا يحفظ كرامته، فلجأ لأحد أقاربه الذي توسط له كي يشتغل، و بعد وقت اتصل به و أبلغه أنه عثر له أخيرا على وظيفة، و أنه سيشتغل في إحدى المناجم الجبلية البعيدة حيث تستخرج الحجارة العظيمة، و أكد له أن العمل مضني و شاق جدا، لكن ذلك الشقاء سيكون خلال الستة أشهر الأولى فقط… أحس الشاب ببعض الفرج، فسأله: و ماذا بعد الستة أشهر، هل سيتم إلحاقي بإدارة الشركة ؟، فأجابه قريبه : “لا أبدا، ستألف العمل و ستتعود عليه مثل باقي العمال…”، الذي نسج هذه الحكاية كأنه قرأ فنجان الشعب الصحراوي، و أدرك أن المستقبل لا يوجد به أمل و أن سقف الطموحات عندما تقرر وضع البنادق كان عاليا جدا، و اليوم هو يلامس جباهنا، و من نادى في أهالينا بالرحيل إلى أرض اللجوء كان مخطئا ، و بعد مرور نصف قرن من الضياع أصبح أهالينا يألفون الوضع و يتعودون عليه .
و اليوم مع تطور الأحداث ميدانيا و أمميا و تصويت مجلس الأمن من أجل التمديد أصبح الوضع في غاية الضبابية و الشك، و من لم يستطع فهم ما يجري، نحن نخبره و نضعه أمام الصورة الواقعية التي تقول أننا في وسط العاصفة نعيش…، فالرئيس الجزائري بين الحياة و الموت داخل غرف العناية المركزة بمستشفى مدينة بون الألماني، و القضية منذ سنوات بدون مبعوث أممي، و نسائنا و شيوخنا في الكركرات يغلقون الثغرة مؤقتا، و على مسافة صفر يقف جيش المحتل على استعداد ليبطش بهم، و لا يمر شهر دون أن تفتح قنصلية في المدن المحتلة، و موريتانيا تتحرك سرا بحثا عن مصالحها و دفاعا عن الأمن الغذائي لشعبها، و الأخ القائد تائه بين الحملات البيئية و اجتماعات الحكومة و التنظيم السياسي و قيادة الأركان و صياغة البيانات، و قادة جيشنا حتى اللحظة منشغلون أكثر بالتجارة أو الاستجمام بعيدا عن المخيمات، و دبلوماسيونا يغرقون في الغنج و الملذات، و المناضلون بالأرض المحتلة و جنوب المغرب منقسمون على أنفسهم و الرموز بينهم تبحث على مصالحها الشخصية و جمع المال، و العالم منشغل عنا بالأزمة الأرمينية، و الإتحاد الإفريقي لا يفعل شيئا للجمهورية الصحراوية العضو المؤسس، و ما بقي في جعبة صداقاتنا القارية هي جنوب إفريقيا و الحليفة الجزائر الذي يقتل جيشها بين الفينة و الأخرى خيرة شبابنا كي يرغم القيادة على العودة إلى بيت الطاعة…
هذا ملخص حال الشعب الصحراوي و قضيته المظلومة، التي كانت إلى الأمس القريب عادلة، و اليوم أصبحت بفعل ممارسات سياسييها ظالمة في حق أطفالها و شبابها و شيوخها و نسائها و عجزتها…، ففقدت القضية وهجها بسبب قادتها الذين تركوا الأهداف التي سطرها الرعيل الأول و فتحوا ملفات هامشية أضاعت بوصلتها…، و اليوم أصبحت أبعد طموحات هذه القيادة أن لا يتبع مجلس الأمن وزير خارجية الاحتلال و أن لا يُضَمِّن قراره النهائي كلمة يصف بها قيادتنا و الشعب الصحراوي بالعصابة و قطاع الطرق.
و كالعادة و لأن لقيادتنا القدرة العجيبة على تلميع الهزائم و صبغها بلون الإنجازات، و مباشرة بعد أن صوت مجلس الأمن بحصيلة 13 صوت، و امتناع صوتين هما: جنوب إفريقيا و روسيا، خرجت الحسابات الفيسبوكية الذبابية المحسوبة على البيت الأصفر تطبل و تزمر لهذا الفتح العظيم، و تخبر مساكين القضية و مقهوريها و مستضعفيها… أن في امتناع الروس نشوة النصر و نشيده، و أن هذا شرف ما بعده شرف، لكن الواقع يقول بأن المحتل لمغربي انتصر بالضربة القاضية، و أن التصويت كان برقم لا يقبل الجدال 13 مقابل صوت واحد يحسب للقيادة هو الصوت الجنوب إفريقي، فيما روسيا لم تصوت لأنها تعتبر القضية الصحراوية ليست من انشغالاتها و لا تعتبر الشعب الصحراوي ضمن أولوياتها، و الروس يمتلكون حق النقض، و لو أن القضية تعني لهم أي مصلحة لاستخدموا ذلك الحق في قلب المعادلة، بصريح العبارة أن موسكو لا تهتم لما يجري في الصحراء الغربية و حساباتها.
ما جاء في النص النهائي يشرح كيف أن المنتظم الدولي في بنود القرار ترك هامش التصرف للمحتل، و كأن الأمين العام الأممي و مجلس الأمن أراد أن يخبرنا بأن المحتل المغربي يمتلك الإمكانيات و الصلاحيات لعلاج أي أزمة و إن لم تشر القرارات إلى أزمة الكركرات بصريح العبارة، لكن العارفين في قراءة النصوص الأممية و قرارات مجلس الأمن يخبرون أن الإيحاءات الموجودة في هذا القرار تمنح المغرب هامش الأفضلية، لأن المنتظم الدولي يعتبر قضية الكركرات سبق معالجتها السنة الماضية، و تم تضمين فقرة بشأنها في القرار الأممي للسنة الماضية، و بناءا على ذلك فإنها ترى في الأزمة القائمة حاليا تكرار لسيناريو السنة الماضية، و تسجل ضد القيادة الصحراوية التي لم تحترم القرار، و لا يُستبعد أن تكون المينورصو قد حصلت على ضمانات من القيادة بأنها ستنسحب مباشرة بعد تصويت مجلس الأمن، لهذا لم تشر إليها و تم الاكتفاء بما جاء في قرارات السنة الماضية.
و بالعودة إلى امتناع جنوب افريقيا عن التصويت، فهذا أمر لا يجب أن يمر مرور الكرام لأنه كان الأفضل أن تسجل معارضتها كنوع من الدعم المعنوي للقضية الصحراوية ، كما أن الامتناع الروسي عن التصويت لا يمكننا إلا أن نعتبره خذلانا للقضية الصحراوية، بسبب التوافق التاريخي في الإيديولوجية بين الثورة الصحراوية و موسكو التي تترأس حاليا مجلس الأمن، كما أن التاريخ الكبير الذي يجمع الكرملن مع قصر المرادية و المصالح المشتركة و الصفقات الضخمة كان من المفروض أن يؤدي الى موقف أكثر وضوحا، لكن للأسف أصبح للروس منطقهم الخاص، والرئيس “بوتين” يحاول أن يكون على نفس المسافة من طرفي النزاع، و تقول المعطيات المنطقية أن روسيا كان من الواجب أن تدعم الشعب الصحراوي و تضع الفيتو لخدمة القضية، لكن روسيا الاتحادية اليوم ليس هي نفسها التي قامت على مبادئ “لينين” و “ماركس”، فهي أكثر انفتاحا و أكثر بحثا عن مصالحها، و هذا هو الخطاب الذي لم تفهمه قيادتنا التي لا تزال تحمل فكر القيادات الستينية و السبعينية، و لم تنجح في إنتاج نخب تتأقلم مع المعطيات الجديدة.
كل ما بقي لنا اليوم هو انتظار تطور الأحداث ميدانيا بعدما حصل المحتل على الغطاء الدولي لحماية ما يسميه مصالحه، و بعد عجز الإتحاد الإفريقي على الدخول في الملف كطرف أو كوسيط، خصوصا و أن الحليف الجزائري يعيش حالة من التخبط بسبب الوضع الصحي الغامض للرئيس عبد المجيد تبون و قبيل موعد التصويت على الدستور الجديد، و عدم منح مجلس الأمن للدولة الصحراوية الضمانات التي طالبت بها من أجل الانسحاب من معبر الكركرات، ليبقى السؤال هو متى ستعيد قيادتنا الانتشار، أم أنها تفضل أن تغامر في حرب غير متكافئة… !!؟
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك