بـقـلـم : بن بطوش
كنا بحاجة لبعض الابتعاد…، إلى مساحة زمنية تسمح لنا بتجديد الإيمان الصحفي و النوايا النضالية…، كانت حاجتنا إلى عطلة فكرية ضرورة قصوى تمنحنا التأمل العميق و فتح الأقواس أمام القارئ الكريم، كي يجتهد في الأحداث قبل أن نعاود ربطه مع المادة الإعلامية الأكثر مصداقية، في قضية فقدت روحها و نضالها و رجالها، و كل ما بقي عالق في الرقاب هو خيط الأمل الذي يخيفنا إن هو طال حبله و يرعبنا إن قصر و تلاشى…
مهنة الكتابة في قضيتنا، متعبة و موجعة جدا، لأنك أمام خيارين فإما أن تكتب الحقيقة و تفصل في دروبها و تغضب تجار القضية و كهنة المعبد الأصفر، أو أن تقف بجانب النهر، فتشرب منه و تُحرم أجر النضال الفكري و الصحفي، لأنك ستخيف المفسدين و التجار و الكهنة و المدلسين و المرتزقة و العابثين و الخائنين…، ستحارب من يمضي يومه مع المؤمنين بقضيتنا العادلة و يبيت ليله مع الخونة و تجار حليب الأطفال…، لهذا نرفض الابتعاد عن الخط الصحفي، و سنضل نلف حبال المسد على رقاب من أهانوا هذا الشعب الكريم أولائك الذين خططوا داخل الرابوني للفشل، فنالوه بنجاح.
نبدأ مقالنا من التصريح الذي لم يرقى إلى مستوى الفتوى لأحد العلماء المسلمين، و أحد كبار رجال الفقه الإسلامي في هذا العصر “الريسوني”، و لأنه من أعلام التوحيد فلن نتطاول على الرجل و سنجادله بما يليق و مقامه من الأدب و الكياسة…، ذلك أنه قال كلاما قويا جدا بخصوص ما يسميه المغاربة “الصحراء الشرقية”، و قال أنه يؤمن بخريطة “علال الفاسي” و أن موريتانيا أرضا مغربية، و أن هيئة علماء الدين المغاربة إن دعا ملك البلاد إلى مسيرة لاجتياح و استرجاع تندوف، فسيشاركون فيها دونما تردد…، و هذا ما جر على هذا العالم غضبا كبيرا من الشعب الجزائري، لكنه بالمقابل لقي دعما كبيرا من المغاربة بمختلف مشاربهم.
و حسب المتداول في المنصات الرسمية لدولة الإحتلال المغربية، أن “الريسوني” لا يمثل السلطة المغربية، و لا ينتمي لأي مؤسسة رسمية مغربية، و أنه رئيس هيئة العلماء المسلمين في العالم، بمعنى أنه رئيس هيئة الكل يعلم بأنها تمول قطريا و يرتاع فيها الفكر الإخونجي و الوهابي، و تسخر سياسيا في القضايا البين – عربية، كما حصل في أزمة الخليج بين قطر و دول مجلس التعاون…، و نحن نسرد هذه التفاصيل كي نصل بك أيها القارئ الكريم لفهم المقال السابق الذي تحدثنا فيه عن وجود وساطة قطرية في قضية الخلاف بين المحتل المغربي و النظام الجزائري، و التي ترجمتها مبادرة الملك في الخطاب الأخير، بدعوة رئاسة الجمهورية الجزائرية للعمل سويا من أجل المستقبل و فتح قوس جديد في العلاقات و الجيرة بين الدولتين.
تجميع المعطيات يدفعنا لطرح بعض الأسئلة التي تسمح لنا بترتيب الأحداث و فهم ردود الأفعال و دوافعها، و تتعلق بالبحث عن أسباب غضب الرياض و الدوحة من النظام الجزائري، و إذا ما وجد أي ارتباط بين غضب “بن سلمان” و إلغاء زيارته إلى الجزائر، و بين تصريحات “الريسوني” و رفض الجزائر الرد على مبادرة ملك المغرب رغم الضمانات الخليجية، ثم تهور الجزائر ببدء استغلال مناجم غار الجبيلات و التنكر للاتفاقيات و الالتزامات المفصلة في بنودها بين النظامين و الموثقة أمميا، ثم أخيرا لماذا الرد على “الريسوني” بأزيد من خمسين بيانا للمؤسسات و المنضمات و الهيئات الجزائرية، ثم الصمت على مبادرة اليد الممدودة من ملك المغرب.
نحن كصحافة صحراوية لا نسعى لالتماس العذر لهذا العالم الذي سننتقد قوله بأدب لأنه عالم كبير، و نحن أمة تبجل العلماء و تقدس ركنهم و رأيهم…، بل نريد فقط أن نشرح لماذا جاءت ردة فعل الجزائر غاضبة في مواجهتها لتصريحات “الريسوني”، و كيف أظهرت هذه الردة بأن النظام الجزائري يرتعب من رأي العلماء، و أنه يخاف من تدخل الرأي الديني في خلافاته مع الرباط، و أن حالة التجنيد الإعلامي التي حصلت ضد “الريسوني” بينت ضعف المؤسسات الحاكمة في دولة الحليف، مع العلم أن الجزائر كان من السهل عليها تجاهل ذلك الكلام، لكن الجزائر أحست بأن الأمر أقوى من أن يكون رأيا علميا، و رأت فيه تصريحا يشرح موقف دول مجلس التعاون و في مقدمتها الرياض و الدوحة اللتان أحست بأن الجزائر تحتاج إلى تقريع، و أنها دولة مارقة وجب لجم سياسييها.
و الدليل على كون “الريسوني” ليس مدفوعا من النظام المغربي، هو تهجم “الريسوني” على التطبيع خلال إبدائه لرأيه، و قوله أن المغرب لم يكن في حاجة إلى ذلك الخيار، و أن الملك لو دعا إلى مسيرة، لشارك فيها كل المغاربة بمن فيهم العلماء…، و نزيد في تأكيد الأمر بالقول أن الرباط يوم أرادت فتح جرح سبتة و مليلية مع مدريد زمن أزمة “بن بطوش”، عمدت بشكل رسمي إلى الدفع برئيس الحكومة آنذاك “سعد الدين العثماني”، و دون خجل أو تردد و بكل جرأة وصف إسبانيا بالدولة المحتلة للثغرين و تحدث عن ملفهما، و لو أراد تكرار الأمر مع الجزائر لما تردد النظام المغربي في ذلك، لهذا لم يكن النظام المغربي وراء تصريحات “الريسوني” بل الأمر يرتبط بالموقف الخليجي الغاضب من قصر المرادية كل الغضب، و الذي دونما شك سيحرم الجزائر من القمة العربية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك