بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
لست أدري أيهم كان الأكثر حزنا ليلتها، هل الشعب الجنوب إفريقي الذي دعم “البافانا – بافنا” بكل روح؟ أم المدرب الذي جرب كل ما يستطيع و عجز عن تحقيق طلب الرئيس بإسعاد الجماهير في البلاد؟، أم أن الأكثر حزنا هو الرئيس الجنوب إفريقي نفسه “رامافوزا” الذي تسلم البلاد من سلفه “زوما” و هي تقف على حافة الثورة، بسبب الفساد الذي هتك كل أماني الشعب… ذلك أن”رامافوزا” كان يمني النفس بأن نجاحات منتخب بلاده ستمنح الشعب فرحة مختنقة و تشغله بتحليل متعة النصر بنشوة كبيرة، و تنسيه كل الفوضى التي تغرق فيها البلاد، أما أنا فكنت سعيدا لأن الإنسان استطاع أن يبتكر رياضة يمكنه ان يصفي عبرها العديد من الحسابات السياسية، و كأنها حرب مصغرة دون أن تراق فيها الدماء أو تزمجر فيها المزنجرات.
و إذا كان الشاعر قد قال: “أن الحياة تأخد غلابا”.. فنحن نقول له أنك لم تحضر عصرنا هذا لترى كيف تجرى مباريات كرة القدم، فلو رأيتها لقلت أنها تأخذ قتالا و تسييسا و دهاءا، ذلك أن من تصاريف القدر أن تكون المباراة بين دولتين متنافرتين جغرافيا إحداهما في بداية القارة و الأخرى في نهايتها، و أن يكون الصراع بينهما على أشده في الاقتصاد و على ريّادة القارة، و أن تفرقهما القضايا السياسية أكثر فأكثر، بأن تجد ثورتنا الصحراوية في طريقها دعما من جنوب افريقيا و هو ما يراه المحتل المغربي دعما متطرفا و محاولة منها للي ذراعه و ابتزازه…، و وسط هذه التجاذبات يحل موعد مباراة في كرة القدم بينهما و يفتح قوسين لصراع رياضي بقذارة السياسة و شراسة الدبلوماسية و وحشية الاقتصاد…، فكانت أقدام اللاعبين أسلحة للإغارة على أمنيات الجماهير التي هتفت من بريتوريا و الرباط في مباراة حشد لها كل طرف ما استطاعه من إرادة.
غير أن تصاريف القدر لها اليد العليا في تدبير الأمور، حيث شاءت الأقدار أن تنهزم دولة جنوب إفريقيا في هذا النزال الرياضي الذي تصارعت فيه الدولتين بكل شراسة، بهدف دون مقابل، لكن المضحك حتى البكاء هو أن الهدف سجله “مبارك بوصوفة”، لاعب المنتخب المغربي و ابن الصحراء، فتعذر علينا فهم المشاعر، حيث غالبنا الإحساس بالفخر لما فعله و يفعله ابن شعبنا، و الذي صال و جال في ملاعب العالم و رغم سنه المتقدم لا يزال يضرب الخصوم في مقتل…، لكن و لأنه اختار الجانب الآخر، فكان واجب الحزن يفرض علينا أن نبكي جراح شعب “البافنا بافانا”، و أن نلوك دمع المهانة خلف “رامافوزا” على أن يكون في منتخب الجزائر عزائنا.
قبح الله السياسة التي تفسد علينا المباهج، و تجعل أعصابنا مشدودة و الأصل في الرياضة أنها متعة و ترفيه، فهذا المحتل المغربي الذي لم يترك مكانا في الأرض و لا في البحر و السماء إلا و أذاقنا فيه من كأس الحزن، لا أراه متخليا على هذه العادة القبيحة، و أظن أن قيادتنا بدأت تألف الهزائم، و أن حتى الدول التي تدعمنا لا ترى في هزائمها مع المغرب حدثا يستحق النحيب، فيما نحن مطالبون في كل هزيمة بالبكاء نيابة عنهم، حتى في خسائرهم الرياضية نحن مطالبون بتحمل الحزن و الخسارة نيابة عنهم أو على الأقل أن نشاطرهم إياها.
لكن تمت مزحة قرأتها على صفحات الفايسبوك، لمواطنين صحراويين في الأراضي المحتلة كتب احدهم معلقا على مشاركة منتخب موريتانيا في “الكان” بمصر: “نتمنى أن يصبح للشعب الصحراوي منتخب قوي كي نلعب دربيات قوية مع منتخب موريتانيا الشقيقة”، فرد عليه مواطن صحراوي آخر من الأراضي المحتلة: “كيف سنحصل على منتخب و نشارك في الأحداث الرياضية بإفريقيا و الكاف لا تعترف بدولتنا، و حتى و إن اعترفت فتكاليف تربص واحد لمنتخب في شمال إفريقيا يساوي ما تنفقه الدولة الصحراوية خلال سنة، اذن هي أضغاث أحلام”.
غير أن المفاجئ هي صور التلاحم بين جماهير الجزائر و المغرب في كل مقابلة ، و خصوصا تلك الصورة التي شاهدها العالم في مدرجات الملاعب كلما حل لقاء لفريق مغاربي، حيث انتشر هشتاغ #خاوة_خاوة في إيحاء إلى أن الصراع على الصحراء الغربية هي قضية النظام الجزائري و ان الشعب لا يشاطره في هذا الأمر و هذا أمر جلل، لأن مثل هذه الصور تعبر عن مواقف مخيفة للشعب الجزائري و قد يدفع صناع السياسة لاتخاذ قرارات ضد مصلحة القضية الصحراوية.
إبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك