”سانشييز” يراهن على التقارب مع الرباط لحصد أصوات المهاجرين و سكان الجنوب الإسباني، و البيت الأصفر أكبر الخاسرين
بـقـلـم : بن بطوش
في تدوينة غريبة للناشط الصحراوي “سعيد زروال”، معلقا على موقف الأحزاب الإسبانية التي صوتت ضد قرار حكومة “سانشيز”، بالتزامن مع زيارة الدولة التي أجراها هذا الأخير إلى الرباط من أجل أن يؤدي فروض البيعة و الولاء، حيث جاء في تدوينته ما يلي: “تصويت الأحزاب الإسبانية ضد قرار رئيس الحكومة هو ثمرة لعمل الكواليس الذي قام به ممثل جبهة البوليساريو بإسبانيا طيلة الأيام الماضية”،…و هي التدوينة التي دفعت عدة حسابات جزائرية إلى التعليق بغضب شديد و اتهام الشعب الصحراوي بنكران الجميل و عض اليد التي تمد إلينا،….. و لهم في هذا الغضب كامل الحق، عطفا على ما قدمه الحليف الجزائري و لا يزال للإبقاء على قضيتنا قيد الحياة و التداول،.
و كان على “سعيد زروال” قبل أن ينافق ممثل القيادة الصحراوية بإسبانيا أن يتذكر أنهار الغاز التي كانت و لا تزال تضخ في صهاريج مدريد و منازلها و شركاتها، بشكل شبه مجاني فقط لقاء أن يحصل الأخ القائد على الرعاية الطبية التي أنجته من طاعون العصر،…. و كان عليه أن يتذكر ملايين الدولارات التي ضخها قصر المرادية في حسابات رؤساء الأحزاب الإسبانية من أجل تكرار جملتين أمام وسائل الإعلام، تدعم حق تقرير المصير و تصفنا بالشعب المقهور و صاحب الحق التاريخي…، كان على ” سعيد زروال” أن يعلم بأن الأمر لو ترك للبيت الأصفر لهلكت القضية الصحراوية بالقاضية، منذ ربع قرن على أضعف تقدير…، لهذا وجب منه التدوين دون إجحاف، لأن من لا يشكر الناس لا يشكر الله.
نعود إلى الزيارة التي قادت رئيس الحكومة الإسباني إلى الرباط من أجل تسليم تراب الصحراء الغربية للرباط، في ثاني خيانة تاريخية من إسبانيا للشعب الصحراوي، حيث تزامنت و أحداثا لا يمكن فصلها عن سياق التآمر الذي تعرض له الشعب الصحراوي و الحليف الجزائري من دول الإتحاد الأوروبي، و الإتحاد الإفريقي و الجامعة العربية و الأمم المتحدة…، ذلك أنه – و كما سبق و أشرنا- فإن قرار “سانشيز” بدعم مقترح الحكم الذاتي و بالتالي دعم الرباط في السيطرة على الصحراء الغربية، رافقه دعم أوروبي و أمريكي مطلق، و أنه مع وصول طائرة رئيس الحكومة الإسباني إلى مطار الرباط، قدم وزراء خارجية حلف “الناتو” تصريحات رسمية لوسائل الإعلام الأوروبية وهم في اجتماعهم لأجل الأزمة الأوكرانية، و قالوا بالإجماع أنهم فرحون جدا بتسوية الخلاف الإسباني – المغربي الذي كان يقلق كثيرا الحلف و الإتحاد الأوروبي، و أضافوا أن الناتو تدعم هذا التقارب بشكل كبير و تباركه، و أنه سيساهم في تحسين التعاون الأمني بين شمال إفريقيا و أوروبا.
عندما نتحدث عن “الناتو” فالأمر يتعلق بثلاثين دولة ذات تأثير كبير في المنظومة الأممية، بينها الدول التي لم تكن إلى الأمس القريب تعلن عن مواقفها الرسمية من الخلاف الصحراوي المغربي حول الصحراء الغربية، لكن دعم الحلف الرسمي للخطوة الإسبانية، يحيلنا على توقع خيانة جماعية من تلك الدول التي نظن أنها ستعمد إلى تحيّين مواقفها من أجل أن تتلاءم و موقف الحلف ككل كي تصطف على صعيد واحد خلف الولايات المتحدة الأمريكية، و هنا خطورة الاعتراف الإسباني.
تخيل أيها القارئ الكريم بأن الولايات المتحدة و بريطانيا وكندا وبلجيكا والدنمارك وفرنسا وأيسلندا وإيطاليا ولوكسمبورغ وهولندا والنرويج والبرتغال و اليونان وتركيا و ألمانيا و إسبانيا و بولندا والمجر والتشيك و رومانيا وسلوفينيا وسلوفاكيا وبلغاريا و لاتفيا وليتوانيا واستونيا و ألبانيا و كرواتيا و الجبل الأسود و شمال مقدونيا… تبارك هذه الخطوة، كي تعرف حجم الهدية التي تحصلت عليها الرباط من مدريد، لأن جميع دول الحلف أصبحوا يؤيدون الموقف الإسباني و يدعمون خطوة حكومة مدريد، و هم مطالبون بجعل مواقفهم تتناسب و موقف الحلف، مع التذكير بأن الولايات المتحدة الأمريكية و ألمانيا و فرنسا يؤيدون مقترح الحكم الذاتي و يقودون قاطرة الاعتراف، و يدعمون سيطرة الرباط على الصحراء الغربية.
تزداد صعوبة موقف “الناتو” على قضيتنا، إذا علمنا بأن الجزائر التي تعد حليفا إستراتيجيا لـ “الناتو” كانت مدعوة للاجتماع الذي عقد في بروكسيل، و الذي تم خلاله مباركة خطوة الحكومة الإسبانية و هي تطعننا في المقتل…، لكن هذا الوجع لا يمنعنا من ذكر نقاط الضوء القليلة التي تفتقت عن الغدر الإسباني، حيث أعلنت عديد الأحزاب الأيبيرية أنها ترفض توجه الحكومة الإسبانية و دعت إلى عقد اجتماع برلماني و صوت ممثلو تلك الأحزاب أمام حضور صحراوي، ضد خطوة الحكومة الإسبانية، لكن التصويت لم يكن ذو قيمة سياسية من أجل إرغام “سانشيز” على التراجع و إيقاف تلك الزيارة التي وقع خلالها على دعم الرباط بشكل رسمي و في حدث تاريخي وثقته عدسات الإعلام الدولي.
نصل الآن إلى التنازلات التي تحصل عليها رئيس الحكومة الإسباني من الرباط، لتقييمها و الحكم عليها إذا ما كانت تستحق فعلا أن يغدر بقضيتنا لأجلها، حيث جاء في الإعلام الإسباني بأن الصفقة كانت مُهينة جدا للإسبان، و أن التنازلات التي تحصل عليها رئيس الحكومة الإسباني من القصر في الرباط تخص قضيتين فقط؛ الأولى مرتبطة بالهجرة السرية، و التي قالت عنها الجرائد الإسبانية بأنه اتفاق يخضع لشروط، و أن الرباط طالبته بالضغط على بروكسيل من أجل الدعم المادي و اللوجيستيكي حتى يصل إلى مستوى ما تحصل عليه تركيا و اليونان، و اشترطت الرباط أن تحافظ مدريد على سياسة حسن الجوار إن هي أرادت من الرباط أن تكف عنها أمواج المهاجرين، و أضافت وسائل الإعلام الإسبانية بأن الرباط رفضت أن تكون دركي السواحل الجنوبية لأوروبا.
و التنازل الثاني مرتبط بفتح المعابر بشكل تدريجي للثغرين سبتة و مليلية، و إيقاف الحصار عليهما، و إشراك الموانئ الإسبانية في عملية “مرحبا” صيف 2022، و هذا الاتفاق لوحده –حسب الإعلام الإسباني- زاد من شعبية “سانشيز” في مدن الجنوب الإسباني و أصبح بطلا قوميا لدى ساكنة الثغرين، بل الأكثر من ذلك أن حصل على حوالي مليون صوت إضافية تخص المهاجرين المغاربة، مما يفتح باب التأويل على الخبث السياسي لرئيس الحكومة الذي قرر التضحية بقضيتنا و ببضع مئات من أصوات الشعب الصحراوي، لأجل الفوز بود الرباط و بالتالي الظهور في ثوب رجل السلام الذي يعرف كيف يصون مصالح وطنه و يدعو إلى التعايش فوق تراب إيبيريا…، رغم أن الرباط لم تقدم تنازلات تذكر، و هذا مع عبر عنه حتى “عمار بلايني” في تعليقه على الخطوة الإسبانية.
ردة الفعل الجزائرية حتى الآن هي محض تصريحات على وسائل الإعلام، إذ جاء في الشروق أن قصر المرادية يدرس إمكانية مراجعة أسعار بيع الغاز لإسبانيا، لكن كاتب المقال نسي بأن الجزائر مصفدة بعقد لن ينتهي إلا سنة 2030، و أن العقد حدد فيه الثمن بشكل قطعي و يخضع لمساطر الوفاق الدولي و التعاقدات…، و أن أي مراجعة أحادية الجانب قد تسبب كارثة للجزائر، غير أن ما تم تسريبه في الإعلام الإسباني يتعلق بضخ الجزائر لأموال طائلة من أجل إسقاط حكومة “سانشيز”، و أنها بدأت تمول المعارضة الإسبانية لرفع حماسها في العمل من داخل البرلمان لحجب الثقة عن الحكومة، و محاكاة ما حصل في باكستان لـ “عمران خان” بعد زيارته لروسيا أثناء الحرب الأوكرانية، رغم أن القضيتين لا مقارنة بينهما.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك