بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
و بينما نحن نحاول فهم المتغيرات التي تجري في عمق العالم، لعلنا نستطيع أن نكون ضمن النخب التي تملك القدرة على فك شفرات ما يخطط له الكبار، و الوضع الذي يريدونه لهذا العالم الذي نتشارك معهم هواءه، بعد أن اتحدت فجأة دول أوروبا و هي تعلن – بشكل غير أخلاقي- الحرب ضد بريطانيا لكسر أنفتها العلمية، عبر تدمير سمعة هذه الإمبراطورية البحرية، بالهجوم على كفاءة لقاحها الذي طوره علماء جامعة أوكسفورد العريقة، هذه الحرب لا بد لقيادتنا أن تأخذ خبرا بها، لتعلم أن ما تكتب لنا بخصوصه بيانات الدك و الأقصاف يظل مجرد كوميديا سوداء، و يشرح سبب عدم قدرتنا على دفع المحتل لإعلان الحرب؟
فمستويات الحروب التي تورطت فيها الرباط أكبر من وعينا، و الدليل أن المحتل دخل سباقات اللقاح مع الكبار و فاز بالتحدي، و اليوم أوروبا أرادت معاقبة بريطانيا مرتين؛ الأولى على تركهم الإتحاد القاري و التصريح بأن التكتل مع أوروبا تسبب للإنجليز في تأخر يصل إلى 40 سنة، و الثانية لأنها منحت مختبرات الهند حقوق التصنيع بعدما اكتشفت بريطانيا أن اللقاح المطور يصعب إنتاجه بمصانعها الطبية، و أن الهند / مستعمرتها السابقة تفوقت عليها، و زاد غضب الأوروبيين بعد أن فضل الإنجليز المساواة في تسويقه بين كل دول العالم و لم يُغَدُّوا نزغة التفوق العرقي للإنسان الأبيض…
و بينما نحن على هذا الموقع نحاول جاهدين أن نجد قراءات نقدمها إلى قيادتنا، كأوراق استشارية لنساهم من جهتنا في تفسير ظاهرة الفشل العضال الذي أصبح جزءا من سياستها، تناقلت الصفحات الصديقة قبل العدوة وثائق مسربة عن البيت الأصفر تخص الموازنة التي خصصت للقطاعات من الميزانية الرسمية للدولة الصحراوية، هذه الأرقام تكشف للمرة الأولى في تاريخ القضية الصحراوية، أي منذ وطأت أقدام أهالينا أرض المخيمات، ضمنها وثيقة تخص الميزانية المخصصة “للمناضلين و المناضلات” بالأرض المحتلة، الذين يتنافسون لأجل إرضاء طرف مجهول يبدو أنه غير القيادة الصحراوية، و الأكيد أن التسريبات غير بريئة في هذا التوقيت بالذات، و لا أريد وضع قراءات و اختراق القلوب و سبر النوايا الغيبية، بل نريد أن نضع قراءة نقدية لهذه الميزانية، لنعرف حسناتها و عيوبها، و أيضا نحن بصدد تجميع معطيات للحكم على هذا التسريب إن هو صحي لتطوير النقاش العام؟، أم هو فقط تمثيل بجثة الديمقراطية التي دفناها منذ عصور في تيفاريتي..؟.
لنبدأ مع أول تعليق على هذا التسريب، من المدون الذي يكتب ما لا يجرأ أحد في قيادتنا على التفكير به، حيث علق “محمود زيدان” بكل تجرد: “حقيقة و ليست مزحة و بالوثائق جبهة البوليساريو تنفق 200 مليون سنتيم لتوفير الواتساب في هواتف قياداتها، بينما تخصص مليار و نصف على تذاكر طيران (خارجية) تسافر لتجلب الهزائم”، هذا التعليق يبدو كسوط لفه المدون على رقبة الحكومة الصحراوية، و لخص كل شيء و كل ما سنضيفه يصب في إناء التأكيد، بأن القيادة الصحراوية فعلا بهذا التمزيق الذي تفرضه على مقدرات الشعب الصحراوي، مهما كانت مصادرها، هو شطط و تبذير و غنج و محاباة و “فضاحة”… ليست وليدة اليوم، و نتذكر جميعا في خطاب التنصيب ذات انتخابات، حين صدح الأخ القائد”إبراهيم غالي” بالوعيد يحمل سيف الصرامة و يهدد بعبارة سأحارب “التهنتيت”، لكن اليوم مع هذا التسريب يحق لنا الحكم عليه بأنه هو متناغم تماما مع الظاهرة، و ندمج مع أهلها، بعدما تم ترويضه و إدخاله بيت الطاعة.
في الواقع توجد العديد من التدوينات الصحراوية الرافضة لهذا العبث، لكننا سنتجاوز الآراء لنضع قراءة تحترم المنطق، بوضع الأسئلة الكبرى، ماذا خصصت الدولة الصحراوية لأرامل الشهداء و معطوبي الحرب و أيتام المقاتلين…؟، ماهي الميزانية التي خصصت للتعليم و الطب و محاربة الوباء…؟ لماذا لم تتضمن الوثائق ميزانية الحرب…؟
سنبدأ من الجواب على السؤال الأخير، لأن في غياب ميزانية الحرب شرح و تفسير واحد فقط، هو أن الدولة الصحراوية لا تنفق على الحرب و لا تتحكم بها، و الأمر كله من قبل و من بعد بيد الحليف الجزائري…، و المقلق في هذه الميزانية ليست القطاعات التي وزعت عليها المليارات، بل الظرفية التي تم فيها توزيع الأرقام بسخاء، حيث أننا حسب بيانات الدولة الصحراوية في حالة حرب و قالت خلال الاجتماعات السابقة بصريح العبارة التي صدقناها، أن الدولة الصحراوية ستقوم بإجراءات إستعجالية لتكييف كل مقدرات الدولة مع وضع الحرب الذي نعيش، لتفاجئنا في هذا التقطيع الموازناتي بمنطق عجيب، و هي تخصص للرئاسة مليار و 200 مليون سنتيم، بينما منح للتغدية و البطون الجائعة في زمن الحصار 300 مليون فقط، و خصص للهواتف 200 مليون بينما التعليم كانت حصته فقط 81 مليون، و نالت تذاكر السفر بسخاء 1.5 مليار، بينما المياه و البيئة و العطش و محاربة “الحمان” في صيف نعلم كيف يمر بأهالينا 26 مليون لا غير، و التنظيم السياسي حظي بكرم من أجرى القسمة و تحصل على 1.40 مليار فيما خصص للصحة و المستشفيات المنهكة و الموجوعين بالأسقام 285 مليون فقط.
و الغريب أن الأراضي المحررة التي ضمها المحتل و ما عادت محررة، خصص لإعمارها 5 مليار سنتيم، في وقت بنى فيه المحتل جدارا جديدا بمنطقة المحبس و لا تستطيع اليوم حتى الذئاب الخروج من المخيمات باتجاه تلك المناطق، و التي سمعنا في التسريبات التي توصلنا بها أن المحتل يسابق الزمن لإنشاء طريق جديد مع موريتانيا عبر السمارة المحتلة، يخترق الشمال الموريتاني إلى دولة مالي بهدف إكمال الشبكة التجارية و إغلاقها، إكمالا لمشروع عملاق اشتغل عليه مع دول الغرب الإفريقي منذ سنوات طويلة في سهو من الحليف و الدولة الصحراوية و لنا عودة لهذا الموضوع.
هذه المقارنات بين التوزيع السخي على بعض الكماليات في الدولة الصحراوية، و حرمان القطاعات الحيوية التي يستفيد منها المواطن الصحراوي المسكين داخل المخيمات، يجعلنا نفهم السبب الذي يدفع دبلوماسي صحراوي في أوج الصراع العسكري مع المحتل لا يعير مشاعرنا أي اهتمام، و يقيم لابنه زفافا باذخا في منتجع إسباني من مقدرات الشعب المقهور، و يشرح لنا لماذا لا نستطيع تقوية الجبهة الداخلية، و يشرح استمرار الاحتقان و التشرذم، لأنه حين يقف قيادي بسيارته المملوكة للدولة و المملوءة ببنزين الدولة أمام جماهير الشعب الصحراوي، و ينزل منها و في يده هاتفا فخما منحته له الدولة في صفقة ضخمة، و به الربط بكل أشكاله مع مختلف الشبكات، و يلتحف “دراعته” المخملية، ثم يقف أمام الجماهير و يطالبهم بالتضحية و الصمود و تقديم الشهداء، حينها يحق للشعب الصحراوي النكوص و مطالبتهم بالتقدم للاستشهاد، و من حق الشعب الصحراوي المطالبة من القيادة بتقديم أبنائهم في جبهات النار و العزوف.
لنفتح الآن وثيقة المناضلين بالأرض المحتلة و نقرأ الأرقام التي تخصص لهم، و في ذلك حديث ذو شجون، بعد أن ظهرت سيدة النضال المخملي و ثرية القضية الصحراوية أمام جناح رئاسي يتجاوز المبيت فيه لليلة الواحدة ما تصرفه القيادة على كل المناضلين، مما يعني أن الأرقام التي تمنح لهم هي فقط ما يقدم نقدا في اليد، و أن ما يخص التذاكر و الاقامات و الليالي الملاح، فله ميزانية خاصة ترتبط بوزارة الخارجية أو بجهات استخباراتية لدولة الحليف، فـ “سليطينة خيا” مثلا، تتقاضى رسميا 300 أورو
هذا التقسيم الذي قامت به الدولة الصحراوية، يؤكد أن الميزانية التي تتحصل عليها من الحليف الجزائري، لا تخضع للمراقبة و الإفتحاص، و لا توزع بناءا على دراسة لحاجيات الشعب، بل بناءا على منطق إسكات الأصوات و توفير الرخاء لكبار الدولة و الإغداق على المعارضين و نيل محاباتهم، فيما يضل المواطن هو آخر ما يشغل بال البيت الأصفر، و المؤلم في منصة المقارنات هو تخصيص ميزانية للهواتف تساوي ثلاثة أضعاف الميزانية المخصصة للتعليم، هنا جميعا كشعب صحراوي و كرأي عام أصبحنا على يقين بأن القيادة تحارب الوعي و تزدري المواطن المسكين.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك