بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول “نيكيتا خورتشوف” في مذكراته أن الزعيم السوفياتي “ستالين” أبلغه ذات اجتماع بوجود مؤامرة في شركة لصناعة الإطارات المطاطية، و كلفه بالتحقيق في الأمر لأن المصنع كان هدية أمريكية من شركة “فورد” و هو ما غذى النظرية أكثر، حيث ظل المعمل لسنوات ينتج إطارات ذات جودة عالية و أن الأمر تغير في الستة أشهر الأخيرة، بعدما أصبحت الإطارات تنفجر بمجرد استعمالها لكيلومترات قليلة على الطريق،… و كتب “خورتشوف”: انتقلت للشركة و تابعت كل مراحل الإنتاج و لم أجد عيبا في السلسلة، شعرت بالإحباط كثيرا بعد إخفاقي في العثور على السبب…، لكن لفت انتباهي أن مدخل المؤسسة توضع عليه صورة العمال أبطال الشهر المتفوقين، كان على رأسهم مهندس سلسلة الإنتاج، فاستدعيته…، و أنا أحقق معه سألته كيف تمكن من التفوق على زملاءه في العمل؟، فأجابني أنه حقق إنجازا غير مسبوق و نجح في توفير كميات هائلة من الفولاذ لصالح الدولة بعدما خفف عدد الأسلاك في الإطارات، و رفع أرباح المؤسسة، هنا – يقول ” خورتشوف”- أحسست بالإحباط مرة أخرى لأن غباء المهندس أزهق العديد من الأرواح على الطرقات، و أخبرت “ستالين” الذي سألني أين دفنت جثة ذلك الغبي؟، فأجبته: لم أقتله لأن الناس لن تفهم كيف تقتل الدولة مهندسا ناجحا…؟ !!!
حالة ذلك المهندس الروسي تجعلنا نتيقن بأن الغباء قد لا يكون في الصورة التقليدية التي نعلمها، و أنه قد يكون نواة الذكاء أو التذاكي، حيث أن المهندس رأى في الأمر تفوقا و تميزا بينما هو في الأصل وصفة قاتلة تزهق الأرواح، و الدرس يمتد إلى نهاية القصة حين عجز ” خورتشوف ” عن تنفيذ حكم الإعدام في حقه، لأن الرأي العام يحتفظ بصورة المهندس المتفوق الموجودة على مدخل المؤسسة و لا يعلم ما تسبب فيه من جرائم…، نفس الإسقاط يحصل مع مؤلف الحكايات الخيالية “محمد الديحاني” الذي يسوق نفسه في صورة الضحية التي داستها الأقدام و عذبت في غياهب السجون، بينما الأصل أن الرجل مجرد قوَال و كذاب كل غايته أن يلعب دور الضحية البطل الذي كشف المؤامرة و قاد الرأي العام إلى برّ المعرفة المطلقة.
كانت دموع “الديحاني” التي ذرفها و هو يحكي عن التعذيب لتؤثر بأي بني آدم تنبض الإنسانية بين ضلوعه، لكن دورنا الصحفي يمنعنا أن نكون مجرد متعاطفين، نحن على هذا الموقع الحر لا نفرق صكوك المشاعر و لا نمتهن إصدار البيانات و الأحكام، بل نلتزم بالتحري عن الحقائق و البحث في الأقوال و وضع المقارنات ثم الاستنتاج…، و هذا ما خلص بنا إلى اكتشاف مغالطات الرجل و بهتانه مزاعمه، و تقوّله بالافتراء…، فقد ادعى أن عددا من الشباب الصحراوي المختفي منذ شهر ديسمبر 2005 و المعروفين بمجموعة الـ15، أنهم لا يزالون على قيد الحياة، و أن بعضهم في معتقل سري و البعض الآخر في معتقل يسمى “مولاي سيدي عبد الله”، و هذا الأمر أعاد فتح جراح عائلاتهم المكتوية بنار فراق فلذاتها، بعد أن خاضوا معارك بلا جدوى و سلموا أمر اختفاء ابنائهم إلى المولى عز وجل، و المصيبة أنه يدعي بأن من أخبره هو صديق معتقل كان معه يدعى “هشام الربجة”، و الأكثر إثارة للشك أنه لم يفسر أسباب الاعتقال المزعوم لهؤلاء الشباب و لا نوعية التهم الموجهة لهم، بل اكتفى بلعبة الهروب إلى الأمام و عبر عن غضب مصطنع لتفادي الاجابة عن سيل من الأسئلة التي حاصرته و جعلت روايته تسقط في التناقض، و اكتفى بالقول أنه لن يجيب الأسر التي تطالب بالشرح و أن كل ما يعلمه هو ما قاله.
بعد تدقيق البحث على صفحة القوّال و المؤلف “الديحاني”، انتبهنا إلى بعض الملاحظات، حيث أن معظم أصدقائه من خارج منطقة الصحراء الغربية هم حسابات لنشطاء في حراك الريف يقيمون خارج المغرب، و تسجيلاته يعاد نشرها على صفحات تابعة لحراك الريف شمال المغرب و تديرها حسابات من خارج المغرب، كما هو الحال مع قناة “محمد هشام” المقيم بأمريكا، و المعروف أن حراك الريف شمال المغرب تستثمر فيه دول و جهات كهولندا و الجزائر، و نحن لا تهمنا تلك الصراعات بقدر ما يهمنا كيف أن “الديحاني” يتاجر بمشاعر العائلات الصحراوية المكلومة، و استغلال ملفها في صراعات بعيدة و هامشية للشعب الصحراوي، من أجل غاية في نفس أو في حسابه البنكي، و لم يتقى الله و هو يمارس على ذوي مجموعة الـ15 التعذيب البطيء باستخدام الأمل و إحياء الجراح القديمة، و نحن نعلم أضرار تلك الجراح و نعلم أوجاع الأمل الكاذب.
هذا المقال نسوقه إلى الأسر الصحراوية كي نكشف لهم زيف و تأليف القوّال “الديحاني”، و نقدمه كهدية لهذه الأسر التي لا تزال أكبادها تسيل كمدا و حزنا، و نختم بتساؤل نابع من خيال “الديحاني” نفسه كيف سمحت الدولة المغربية و أجهزتها بإطلاق سراح بعد أن فاوضته على تأسيس خلية إرهابية و تمويله… ثم رفض…، هذا خطأ لا ترتكبه حتى مخابرات الضفادع؟ فاجهزة الاستخبارات أذكى من أن تغامر في قضية حقوقية مجانية مع فتية حاولوا الهجرة السرية، و كانت كل أمانيهم أن يصلوا إلى الإلدورادو الإسباني… أخبروا “الديحاني” أن الغباء يقتل.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك