بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
و أنا لا أزال مستمتعا بدروس الواقعية من مجتمع البراري حتى تعثرت عيني في أمر عجيب، هذه المرة لم أقرأه في تجارب المستكشفين بل في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، من القرآن الكريم، حيث ضل نوحا عليه السلام ينادي البشر و يدعوهم طلية 950 سنة فلم يؤمنوا برسالته إلا قليلا و دعا الحيوانات إلى السفينة مرة واحدة فاستجابت له.. و نجت.. و أنا أرى هذه الحكمة العجيبة بدأت أقلب كفيَّ على غباء بني البشر و ذكاء الحيوانات، و الحقيقة أن غريزة سليمة أفضل بكثير من عقل مريض.. و أنا أدعوا القيادة، للإعتبار من هذه الحكمة مرة أخرى..
و أعلم أني لست نبي الصحافة و لا رسول الحقيقة، و لكني أصدق من كتب في الصحافة الصحراوية و أشجع من تحدث عن عيوب القضية دون أن يلمع الأحذية بالرابوني أو يتصل بمسؤول كي يتقاضى منه نظير الخدمة التي قدمها لسمعة الشعب الصحراوي، و أعلم كذلك أن القيادة لا تمتلك أذنا تسمع بها صراخ النقد المزعج.. أعلم كل هذا.. لكني مضطر للسير على الدرب و إكمال رسالتي حتى لا يقال يوما في تندوف أن صحفيا حرا أتعبه قبح السياسة و السياسيين فهجر القضية و كسر قلمه ثم ذهب..
قبل حين في آخر مقال تحدث عن الأمل لدى شباب المخيمات و قلت احذروا جيلا يعيش بلا أمل و يرى في العصابات و الجماعات الإرهابية بديلا عن القضية، فلم تنتبه القيادة، و اليوم يعثر على شاب صريع بين أزقة تندوف و قد هدأت روحه و توقفت أنفاسه و جسده مثخن بالطعنات.. وجد بعد أن اختفى عن أسرته لمدة من الزمن و قيل في الصحافة أنه اختطف و عذب ثم قتل و أن الأمر فيه ما فيه من تصفية الحسابات بين عصابات تتاجر في المخدرات.
ما حدث لهذا الشاب يستحق لحظة للتأمل، إذ لم نكن نسمع قبل اليوم عن مثل هذه الجرائم و التصفيات التي تقع خارج السياسة و النضال، بل هي تصفية حسابات بين عصابات للمخدرات و أفراد من شباب تندوف الذين جرهم العوز و إنسداد الأفق و موت الأمل إلى إختيار طريق العصابات و خدمة تجارة الحرام، و هذا الحادث يكشف عن الفوضى التي تعيش في أتونها المخيمات و تغض عنها قيادتنا الطرف ربما لتواطؤ منها و ربما لضعفها و وهن سلطانها.
فالفضيحة ليست في مقتل الشاب عليا ولد دليل بل في الخطاب الذي تروج له القيادة و عن الوعود التي قدمتها في حين أن سلوكها و كل إجراءاتها تدل على أن المستقبل توقف منذ سنين طويل و أن الأمل لا وجود له في تندوف بل كل ما يخص الأمل محض أساطير ترويها قيادتنا لتطبب بها نفوسنا و ترغمنا على البقاء أطول زمن ممكن في المخيمات، و تشغلنا ببعض التفاصيل التي تروج لها كإنجازات، و هي في أصلها مصدر الذل و العار، مثلما حدث في عاصمة المسيحية حين أرسلت القيادة إلى بابا الفاتيكان جيشا من الأطفال و نشرت صورهم و هم يحضرون القداس المسحي و الفرحة تغمرهم… نشرت القيادة تلك الصور و هي تتبجح بإعجاب أطفالنا بنظافة الكنيسة المسيحية و سماحة البابا و كرم الراهبات و مخملية الغرف.. قبل أن تصدر إدارة الفاتيكان إعلانا تحذيريا إلى القيادة تخبرها أن تلك الصور لا يجب أن تستغل سياسيا و أن الاستقبال لم يكن فتحا دبلوماسيا للرابوني بل هو مجرد عطف و صدقة من البابا لأطفال المخيمات.. كم هو مهين هذا التعبير من الفاتيكان !!
نعود إلى فقيد تصفية الحسابات بين العصابات الشاب عليا ولد دليل الذي لم تجرأ القيادة على الاحتجاج لمقتله بتلك الطريقة البشعة، بعدما علمت القيادة أن من قتله هم من حملة الجنسية الجزائرية، و أن الأمر يتعلق بعصابة تسيطر على تجارة الممنوعات بالجزائر، و أتوقع أن قائدنا ضرب يده مع الحائط بعدما وجدت جثة الشاب في أزقة تندوف، فلو استشاره القتلة لما منعهم من تصفيته و لاقترح عليهم رميه بالقرب من جدار الذل و العار المغربي كي يُتَّهم المغرب بقتله أو لطلب منهم تركه يسافر إلى مدن المغرب و تصفيته هناك لتوريط الرباط في مقتله و يصبح مناضل و تكتب في حقه الرسائل إلى الأمين العام الأممي و تستدعى المنظمات الحقوقية في قضيته و تجد أسرته نفسها تحت الأضواء و في مقدمة المناضلين.
و لكن لأن مقتله جرى في تندوف و لأن العصابة التي قتلته رغم تفوقها في السلطة على القيادة فهي جهويا ضعيفة جدا و لا تستطيع دخول الأراضي المحتلة بسبب قوة العصابات المغربية و أيضا بسبب القدرات الأمنية للعدو المغربي، لهذا حينما بدأت الصحافة في تندوف تلفق التهم للشاب الراحل بشكل ضمني و هي تتهمه بالتورط في تجارة المخدرات، أدركت أن القيادة مرة أخرى أوكلت لتلك الصحافة المتعفنة تنظيف وججها من هذه القضية بشكل غير مباشر و إبراء ذمة الجزائر بشكل كامل و منح الحق للقتلة بتصفيته عبر القول بأنه هو من تورط معهم، لكن الحقيقة أكبر من ذلك و القيادة هي التي تورط أبنائها بدفعهم إلى مثل هذه الأفعال بعد إفراغهم من الأمل، فلو أن الشاب الراحل تحدث قبل مقتله لسمعنا عجبا و لورط القيادة في ذمه.. فقيادتنا تعشق لعب دور العصابة في وقت فراغها.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك