بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
يقول أحد الشيوخ “ما أبعد الخير عن أهل الكسل”، و قيادتنا أهل كسل و اتكال و قلة عزم، و سنة 2020 كانت سنة اكتشافات المساوئ العظيمة و الحقائق الكبيرة التي أشاحت لنا عن واقع القضية، و رسمت لنا حدود فهم قياداتنا للأحداث و ضعف خطابهم و عجزهم عن تحقيق الوعود،… كشفت لنا أن قيادتنا ظاهرة بيانات و رسائل، كانت سنة تذوق فيها الشعب الصحراوي مرارة ما جناه علينا كسل آلـ البيت الأصفر من علقم النكسات، سنة كبيسة هي الأسوأ في تاريخ القضية، منذ 50 سنة مرت قبلها، بينما في الضفة الأخرى كانت سنة طوع البنان، و سخرها المحتل المغربي ليصنع فيها مجدا كان قاسيا علينا كشعب صحراوي، وهو يحصد اليوم غلال ما زرعه من اجتهاد و شقاء، المحتل الذي أخذ عن العرب النصيحة التي تقول “أعكف على الكتب و ادرس، تحز فخار النبوة، فالله قال ليحيى، خذ الكتاب بقوة”… كان مجتهدا و أخذ بالأسباب و بكل قوة…، و إن هو لم يدرك فخار النبوة فقد أصاب الوعود التي قطعها لشعبه، و حصل على منطقة الكركرات بالذراع و توص بصك الصحراء الغربية من أمريكا، و الاستثمارات هي اليوم تجري في انهار غير ملتوية، سلسبيلا، إلى المدن المحتلة التي تغص بالقنصليات و كأنها حدائق دبلوماسية.
أيها القارئ الكريم، فن العطارة الذي كان بيد قيادتنا نفذ و وصفاتها فشلت و أجيالنا أصبحت تعي و تدرك الحقيقة كاملة، و تستطيع أن تقيم حجم الخسارة التي امتدت لتلمس سمعة الحليف، و حصيلة هذه السنة هي الأثقل على القلوب و كونية الألم جعلتنا نشترك مع العالم نكسات عام قيل فيه أن البشرية عاشت لحظات فزع و يأس و طرح فيه سؤال: “هل ينهي الطاعون الجديد الوجود البشري…؟” لكن مع تطور الأحداث اكتشفنا أن الأمم المتقدمة استطاعت أن تستجمع علمها و معارفها و تجتهد لتجد الترياق الذي سينهي الخوف، كانت سنة لا تتوقف فيها المفاجئات التي صنفت في سلم الألم بترتيب لا يحترم القلوب، كانت حربا ظاهرة ضد عدو غير مرئي و فتاك، و المخجل أنه في الوقت الذي كانت فيه الدول تصارع لبقاء شعوبها و تستثمر الجهود لإعطاء الأمل للإنسانية، ساهمت قيادتنا في تلك الجهود باختلاق المشاكل في الكركرات، و الكل يعرف تفاصيل ما جرى بعدها…، بدأت الأحداث بحرب خفية بين كبار العالم حول تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس سميت بالحرب غير الأخلاقية و اختتمت بقرار أمريكي حول الصحراء الغربية يضرب القانون الدولي عرض الحائط:
- الصراع حول تكنولوجيا شبكات الجيل الخامس 5G و شبهة ارتباطها بحرب بيولوجية :
بدأ كل شيء مع إطلاق شركة “هواوي” الصينية لأولى مشاريعها في أوروبا حول تكنولوجيا الاتصال من الجيل الخامس، و ترويجها أنها بدأت أبحاث شبكة الجيل السادس 6G، و هي التكنولوجيا التي يبدو أن أوروبا عجزت عن الوصول إليها و أن الشركات الأمريكية تفاجئت من سرعة وصول الصينيين إليها، فبدأ الصراع الاقتصادي بين أكبر قوتين في العالم، جيّشت فيه أمريكا ترسانتها القانونية ضد مصالح الصين، فيما قررت الصين رفع التحدي و إطلاق طريق الحرير.
و سط جلبة الصراع ظهر القاتل الخفي…، فيروس سيتحول إلى وباء و منه إلى جائحة، بدأ من مدينة ووهان الصينية، ثم ضرب بقوة في إيطاليا و إسبانيا و إيران، و هي الدول التي صادف تفشي الجائحة بها تواجدها على خارطة طريق الحرير، و بدأت الاجتهادات في ربط الأحداث بين القتال الاقتصادي و بين خارطة انتشار الفيروس، و تبادلت بكين و واشنطن الاتهامات، و قال خبراء من دول مختلفة أن شبكات الجيل الخامس لشركة “هواوي” قد تكون سبب في تسريع انتشار رقعة الوباء، و عززوا كلامهم بأن تلك الشبكة لديها موجات قوية تسببت في نفوق عصافير بهولاندا بعد نصب أعمدت الأجهزة الدافعة للموجات…، و قرر المؤرخون يجهزون للحكم على ما يجري بأنها حرب عالمية ثالثة، و أنها لن تكون بالأسلحة التقليدية، قبل أن يتفق الجميع على تحميل المسؤولية للخفاش و اتهام جسده الصغير بتطوير سلالة من فيروس “سارس” التي سترتقي في سلم الفتك لتتحول إلى سلالة لقبت من طرف منظمة الصحة العالمية بـ ” سارس كوفيد-19 “، و يختصر الاسم بعدها في “كوفيد-19”.
وسط حرب النجوم بين قوى كونية، كانت قيادتنا تعيش خارج التطور، و بالكاد خرجت من مؤتمرها الـ15، الذي أنفقت عليه ثلثي مقدرات الشعب الصحراوي، و بالمقابل عجزت أن توفر صهريج ماء يطفئ عطش الأفئدة التي أثكلها حر الأشهر الملتهبة بمخيم السمارة و الداخلة و العيون و بوجدور…، و ظلت تتعامل مع المستجدات في العالم بصبيانية، و لم تنتبه لبريطانيا و هي توقع اتفاق البريكسيت مع الإتحاد الأوروبي نزولا عند طلب شعبها، و قرارها توقيع اتفاقيات اقتصادية مع الرباط تشمل الصحراء الغربية، فيما سارع الإتحاد الأوروبي لتصحيح ثغرة خروج بريطانيا بمنح الشركات المغربية نصيبا من الاتفاقيات لتعويض بريطانيا، و عدم ترك الفراغ في السوق الأوروبية المشتركة، و بذلك حقق المحتل تواجدا اقتصاديا أكبر بأوروبا.
- وفاة “جورج فلويد” و حرق الجزائر لشابين صحراويين .
- وفاة “جورج فلويد” و حرق الجزائر لشابين صحراويين .
كان الأهل في المخيمات قد بدؤوا يتعايشون مع الفوضى و صوت الرصاص الذي يقض المضاجع كلما اختلف تجار المخدرات داخل المخيمات، ممن يشتغلون لحساب قادة ألفوا تصفية الحسابات بترويع اللاجئين…، و ذات خبر على المنصات، اهتز له العالم و تسبب في غضب شعبي عارم بدأ من أمريكا و عم كل بلدان الكوكب، بسبب وفاة “جورج فلويد”، الأمريكي ذو أصول الإفريقية، علي يد شرطة أمريكا التي عاملته بسوء إلى أن لفض أنفاسه، فاجتاحت الفوضى بلد “العم سام”، و لم تبرد نارها إلا بعد أن نال الجناة القصاص و جرى إرضاء أهله، و قدم كل مسؤولي أمريكا الاعتذار لأسرة “فلويد” على ما وصفه الإعلام بالتعامل اللاإنساني.
بعدها بأسابيع قليلة جدا، اهتزت المخيمات على جريمة أبشع من تلك، و أكثر توحشا و عنصرية، حيث أحرق عناصر من الدرك الجزائر شابين صحراويين في عمر الزهور، كل ذنبهم أنهم نبشوا الأرض بحثا عن عروق الذهب لإعالة أسرهم التي تعاني، بعد أن أحكم الجيش الجزائري القبضة على المخيمات منذ نونبر 2019، خوفا من ثورة داخلية إثر نشر قيادتنا صور”عليا السعدي” زوجة المعتقل السياسي “فاضل ابريكة”، في سابقة أخلاقية شكلت فضيحة بكل المقاييس.
حرق الجيش الجزائري للشابين الصحراويين، ترك في نفوس الشعب بالمخيمات إحساسا بالقهر، لأن الجزائر كانت تريد بذلك الجرم البشع، إرغام قيادتنا على الامتثال و الخروج لإغلاق معبر الكركرات، فيما القيادة لم تقوى على الاحتجاج ضد الجزائر، و قررت تحميل الشهيدين مسؤولية وفاتهما، و أتهمتهما بخرق القانون و روجت الصفحات التابعة للبيت الأصفر خبر أنهما توفيا نتيجة الاختناق بالدخان و ليس حرقا دفاعا عن القتلة من الجيش الجزائري، لكن أسرة الشهيدين اكتشفتا أن جثت الضحيتين اختفتا من الرابوني و نقلتا إلى مستشفى تندوف، و بعد احتقان الأوضاع بالمخيمات قالت القيادة لأسرهما كذبا، أن الجيش الجزائري سيفتح تحقيقا في النازلة و سيلقى الجناة عقابهم..، و إلى اليوم لم تظهر نتائج ذلك التحقيق و لم يعاقب أي أحد من الجناة، و كان موت الشابين الصحراويين بلا قيمة و لا أثر، و نفذت القيادة ما طلب منها و أخرجت النساء و الرجال إلى معبر الكركرات الذي فقدناه بكل أسف، و كأن لعنة الشابين تطارد القيادة.
- حرائق الغابات بأستراليا يتهم فيها طائر خبيث و حرائق الجزائر تتهم فيها الأيدي الخارجية…، و نكبة ميناء لبنان تتسبب في سخرية من مساعدات الجزائر.
كانت سنة كارثية بكل المقاييس، و عاشت فيها الإنسانية على وقع الأحداث المكلفة نفسيا و ماديا، حيث أتت النار على غابات استراليا و اكتشف العالم أن طائرا خبيثا كان يحمل أغصانا مشتعلة و يرميها في الأماكن التي نجت من النار لتعود من جديد إلى الإستعار، و في الجزائر عاشت الحليفة على وقع وضع غير مسبوق، حيث كان تزامنت الأحداث مع احتفالات الأمة الإسلامية بعيد الأضحى، فاندلعت النيران في غابات البلاد و انقطعت المياه عن كبرى حواضر البلاد و فرغت خزائن البريد من السيولة و لم يجد الموظفون و المتقاعدون رواتبهم في الوكالات، و أصاب محولات الكهرباء عطل فانقطع التيار عن مدن بأكملها و تضررت المستشفيات و المؤسسات العمومية بالأعطاب التقنية…
بعدها خرج الرئيس الجزائري “تبون” يقول أن تحقيقا فتح إثر تزامن هذه الأحداث مع عيد الأضحى، و أن أيادي عابثة تسعى لخلق الفوضى بالجزائر، فيما أجابه مدونون و نشطاء من الحراك بكل واقعية، بأن البلاد تعاني من ضعف رهيب في بنياتها و أن ذلك التزامن لم يكن غير صدفة متراكمة، و أن التحقيق يجب أن يكون في مصير الأموال التي خرجت من البلاد، فيما دوّن آخرون بالقول، أنها لعنة العيد المتجددة، و ذكروا باليوم الذي طرد فيه النظام الجزائر أزيد من 300 ألف مواطن مغربي و هجروهم إلى ما وراء الحدود.
بعدها…، اهتز ميناء بيروت و غرقت بلاد الأرز في الحزن، و سارع العالم لنجدتها، فقرر المحتل فتح جسر جوي لأزيد من 20 طائرة شحن عسكرية ضمت مستشفى عسكري و معدات طبية و أدوية…، و انتقدنا حينها سخاء الرباط في المساعدات، لكن بعد حين سنفهم أنه كان استثمارا إنسانيا لصالح المستقبل، و أن المغرب أراد أن يضغط على حزب الله عبر حكومة لبنان، و نجح في ذلك… غير أن المثير ما جادت به الجزائر على الشعب اللبناني المنكوب، فأرسلت طائرات محملة بمشروبات غازية أثارت سخرية على مواقع التواصل و دون الجزائريون متهكمين على المبادرة بهشتاغ يقول #إنها_ نكبة_و_ليست_حفل_شواء.
- وفاة “امحمد خداد” و حل “الكوديسا” و تأسيس “حركة صحراويين من أجل السلام” و كشف مؤخرة”الكوخو” الجريحة.
كانت 2020 سنة العجائب النضالية بكل المقاييس، و كانت صعبة على قضيتنا، و امتلأت خلالها صدورنا بكل المشاعر السلبية، و استشعرنا السوء بموت “خداد” أحد رجال التوازنات داخل بيت الحكم و آخر أضلاع الثقة الصحراوية، و علمنا أن موته ببلاد اسبانيا علامة شؤم، و شيع جثمان الراحل الذي ظل في الثلاجة لأكثر من شهر في جنازة مهيبة رغم إجراءات الوباء، و ترك رحيله في قلوبنا حزنا عميقا…، و ما هي إلا أسابيع قليلة حتى تأكد لنا أن مرحلة ما بعد “خداد” ستكون صعبة، فانفجرت “الكوديسا” و تشتت رأي مناضلينا، و اكتشف الرأي العام الصحراوي أنها كانت مجرد مشروع استثماري لجني الجوائز و تكديس الأغلفة بالحسابات، فأعلنت غنية النضال “أمينتو حيدر” أنها حلت هذا التنظيم الحقوقي لتأسس تنظيما سياسيا مليء بالعيوب و تائه الأهداف، كي تنافس به القيادة في المخيمات.
في بحر هذه الأخبار السيئة، قرر من كان إلى الأمس القريب يلقب بحكيم الشعب الصحراوي “الحاج أحمد بريكلا”، أن يؤسس كيانا جديدا حمل اسم “حركة صحراويون من أجل السلام” قال أن مهمته المشاركة في إيجاد حلٍ بناءا على منطق جديد، تقدم فيه مصلحة للشعوب على المصلحة الضيقة للسياسيين، هذا الكيان أسكن الرعب في قلب القيادة و جعلها تائهة لشهر كامل تبحث عن السبل لتكفيره سياسيا و ثوريا و حقوقيا، فاتهمته بالعمالة للمحتل و وصفته بأبشع النعوت، ليتأكد المواطن الصحراوي مرة أخرى أن القيادة تبحث عن الخلود و تخشى المنافسة و التعددية.
و بينما نعيش شتاتا نضاليا حقيقيا، موروث عن الحقبة البولسانية، خرج علينا من ابتكر شكلا هجينا من النضال…، و حين كانت القيادة تبحث عن حل ترضي به الجزائر و تغلق به معبر الكركرات، انفرط من بين أصابعها “محمد علوات” الملقب بـ “الكوخو”، الذي ظهر فجأة بالكركرات يستبسل على قوافل الاحتلال التجارية، فأوقف بعض سائقي الشاحنات قوافلهم و نزلوا إليه ينكلون به ففر أصدقائه و تركوه وحيدا يُهان…، حصل على حصة من الإهانة ليست باليسيرة، و بعد أن التحق بمن فروا عنه، كشف عن أردافه المكتنزة أمام كاميرات الهواتف، و هو يشكو بطش السائقين و قسوتهم للقيادة، ظنا منه أنه سينال عطاءا سخيا…، و المصيبة أننا إلى الآن لا نزال نعاني أساليب النضال الهجين.
- قنصل مغربي يصف الجزائر بالعدو، و “عبد المالك سلال” يعترف في محاكمة القرن أن الأموال كلها أنفقت لتدمير اقتصاد المغرب و قناة فرنسية تبث وثائقي عن الحراك.
في موقف غريب التقط مجهول كان ضمن جالية الشعب المغربي بالجزائر، تصريحا للقنصل المغربي بوهران و هو يصف دولة الجزائر بالعدو، أثار هذا المقطع غضب الإعلام و النظام الجزائريين، لكن الرباط فندت المقطع و وصفته بالمفبرك، و جرى إعادة تعيين القنصل بعد ذلك ليمثل دولة الاحتلال في بلد آخر…، و بعد هذا الحادث بحوالي الشهرين، ثم نشر تسجيل يوثق لكلمة الوزير الأول السابق “عبد المجيد سلال” الذي يحاكم بتهمة تبديد الأموال العمومية، حيث قال أثناء دفاعه على نفسه، أنه لم يأخذ فلسا واحدا من أموال الجزائريين، و أن المشاريع التي التهمت 33 مليار دينار جزائري و فشلت، كانت موجهة لضرب صناعة السيارات في بلد جار (المغرب)، و أن النظام الجزائري هو المسؤول عن تلك الاستثمارات الفاسدة.
التصريح تسبب في ضجة إعلامية كبيرة، و رفع الحراك خلال الجمعة التي تلت التصريح يحملون شعارات مسيئة للنظام و وصفوا ما قاله “سلال” بالفضيحة المدوية، و اعتبروه دليلا كافيا ليعلن النظام الجزائري عن بكرته الاستقالة، و لم تعلق الدبلوماسية في الرباط عن الأمر، لكن آثار ما قاله “سلال” ظلت قائمة في الجزائر و خارجها.
و بينما الرأي العام الجزائري يغلي إثر توالي الأحداث و افتقاد الأسواق للمواد الأولية من سميد و حليب…، و بروز نزعة شعبية عدائية للقضية الصحراوية إثر كشف الإعلام عن قافلة مساعدات جزائرية للشعب الصحراوي في ظل الجائحة، بثت القناة الفرنسية الـ5، وثائقيا عن حراك 22 فيفري، الوثائقي روج لصور غير أخلاقية عن الشباب المشارك في الحراك، و أظهرهم بالباحثين عن التحرر من قيود الدولة العسكرية، و الرافضين للأحكام الدينية و الساعين لفرض الخيار العلماني على السياسيين، فتسبب الوثائقي في غضب النظام الجزائري الذي اتهم فرنسا بالتآمر الإعلامي و تدنيس صورتها لدى الرأي العام الفونكروفوني، غير أن باريس اعتبرت الأمر حرية تعبير، و لم تكترث لغضب قصر المرادية.
- الجزائر تستعيد جماجم الشهداء و الإتحاد الأوروبي يعاقبها بلائحة حقوقية ثقيلة.
بعد 60 سنة من الاستقلال، تمكنت أخيرا رئاسة بالبلاد في الجزائر من إقناع الرئيس الفرنسي “ماكرون” بإعادة جماجم الشهداء الذين فصلت رؤوسهم عن أجسادهم و نقلت كي توضع رهن إشارة الباحثين، و كانت تعرض في متحف الإنسان بباريس، و أثارت نقمة أهالي الشهداء الجزائريين، الذين تعرَّف بعضهم على جماجم أبائهم، كانت لحظة نزول الطائرة بمطار بوفاريك العسكري تاريخية، و شيعت تلك الجماجم في طقوس مهيبة، غير أن النصر ظل منقوصا بعد أن علم الجميع بوجود أعداد كبيرة من الجماجم لا تزال في مخازن المتحف الفرنسي و لم يكشف عنها بعد.
إعادة الجماجم منح الرئيس “تبون” نوعا من الشعبية بين أهالي الشهداء الذين امتنوا له كثيرا، غير أن الخطوة ظلت منقوصة بسبب عدم إحضار جميع الجماجم، و بينما يحيي الجزائريون ذكريات النضال و الجهاد، شن مدونون فرنسيون و آخرون جزائريون هجوما ضد النظام الجزائري، و اتهموه بالازدواجية في الخطاب، و قالوا أنه نظام يعاني انفصاما، بسبب طلبه من فرنسا بإعادة الجماجم و الاعتذار، و في نفس الوقت يدفع بأمواج الشباب للموت في البحر طمعا في الوصول إلى البلاد التي يقول عنها أنها لم تتخلص من الفكر الإمبريالي و أنها تعادي جزائر الشهداء.
تحمل الإتحاد الأوروبي لما أسمته الصحف الأوروبية بالإستفزاز و الضغط الجزائري لدول الإتحاد باستخدام أفواج المهاجرين السريين، و تصنيف الأمر كحرب جزائرية ضد أوروبا للضغط عليها من أجل تغيير موقفها من الصحراء الغربية، رد الإتحاد على الحملة الجزائرية بفتح ملفات حقوق الإنسان، و في مقدمته ملفات معتقلي الحراك الشعبي، و ملفات الصحفيين الموقوفين بمن فيه ملف الصحفي “درارني” و لم يستثني البرلمان الأوروبي الوضع في المخيمات، و أصدر البرلمان الأوروبي لائحة تضم انتقادات حقوقية ثقيلة، و اجتهد برلمانيون أوروبيون بإلتماس فرض عقوبات على الجزائر إذا لم تعالج الوضع الحقوقي.
- الرئيس “تبون” يعلن أن الجزائر لديها ألأفضل منظومة صحية إفريقية، و ينقل على وجه السرعة للعلاج بألمانيا على طريقة سلفه “بوتفليقة”.
مع بداية النصف الثاني من السنة الكبيسة 2020، اشتد الوباء على العالم، و أظهرت المنظومات الصحية الأوروبية عجزا رهيبا في التعامل مع الأعداد الهائلة للمصابين، و شاعت القرصنة البحرية و الجوية للحمولات الطبية، و في الجزائر ساء الوضع أيضا و استفادت البلاد من بعض مساعدات صينية التي أرسلت للمستشفى العسكري عين نعجة، مما أثار غضب الأطر الصحية المدنية، فقررت الجزائر إعادة طلب المعدات و التجهيزات من دولة الصين التي فاجئت الجزائر برفض الطلب و اشترطت الأداء أولا قبل إرسال الشحنة، مما شكل صدمة للنظام الجزائري الذي يدين للشركات الصينية بأزيد من 4 مليارات دولار.
في نفس الوقت توصلت المحتل المغربي بطلبية كاملة من الصينيين و الكوريين، مما أغضب الرأي العام الجزائري الذي استهان بوزن نظامه، فخرج “عبد المجيد تبون” بتصريح في لقاء بثه التلفزيون الجزائري مع الصحافة، قال فيه أن الجزائر لديها أفضل منظومة صحية في إفريقيا، و بعد أسابيع قليلة اختفى الرئيس الجزائري عن الأنظار و لم يعد يظهر في الأنشطة اليومية، و إثر ضغط الشارع الجزائري، أعلن قصر المرادية في بيان أن الرئيس الجزائري أصيب بالعدوى قبيل التصويت على الدستور، و أنه نقل على وجه العجل للعلاج بألمانيا.
تسبب نقل الرئيس إلى خارج ألمانيا في إثارة سخط شعبي، و قال النشطاء أن الرئيس كان يكذب على الشعب و أن ما قاله بخصوص أفضل منظومة صحية مجرد تصريحات غير مسؤولة، و بدا الجميع داخل الجزائر و خارجها متخوفا من تكرار سيناريو “بوتفليقة” الذي ظل يحكم، و بعد أشهر من العلاج ظهر أخيرا في وضع مبهم، يوجه خطابا للشعب الجزائري، دون أي إشارة إلى تاريخ الخطاب و لا مكان تسجيله، و ظهر فيها الرئيس مختلفا و هزيلا، مما زاد من حيرة الشعب الجزائري.
- أزمة الكركرات الثانية و الرئيس الأمريكي “ترامب” يتنكر للشعب الصحراوي.
هي الأزمة الأثقل على قلوبنا، و الأسوأ في تاريخ القضية منذ نصف قرن، ذلك أن القيادة و هي تعبث بالخيارات قررت تحت الضغط الجزائري أن تغلق المعبر – الثغرة، لأجل بعث الحياة في المعبر الجزائري – الموريتاني، لكن المحتل كان ينتظر خطأ القيادة ليجهز على أحلامنا في الوصول إلى الأطلسي، و يبدأ إجراءات تأمين المعبر لإكمال المشروع الفرعوني بمد أنابيب الغاز و البترول النيجيري إلى أوروبا.
أرسلت القيادة كما يعلم الجميع فيلقا من الشيوخ و النساء و الأطفال يحرسهم عدد من مقاتلي الجيش الصحراوي، و بدأت البيانات تتناسل و الرسائل تتقاطر على “غوتيريس” تضم شروط التفاوض مع المنتظم الدولي، في استعراض هجين للعنترية الفارغة، و بعد أسابيع أخرج المحتل جيشه و فر فيلق “الطافيلات” و “لعزايز”…، و ظلوا تائهين في الصحراء لأيام إلى أن ظهروا أخيرا في المخيمات في استقبال شعبي هو الأول في التاريخ للفارين من ساحة المعركة.
و بعدها أعلنت القيادة أنها في حلٍ من اتفاق وقف إطلاق النار، و بدأت قصة البيانات العسكرية و الأقصاف على الفايسبوك…، و اعترفت أمريكا بـ “سيادة المغرب على أرض الصحراء الغربية”، و مدت المحتل بخزائن السلاح المتطور، و أنشأت أمريكيا مقرا لمبادرة “ازدهار إفريقيا” في الرباط، و وكالة للاستثمار في الصحراء الغربية، و وعدت المحتل بالمساهمة في جهود التنمية، و الكل يعلم أن أمريكا لا تدخل إلى المناطق فارغة اليدين…، بل تجر معها جيش المؤسسات الاستثمارية العملاقة.
و اليوم يعيش الاحتلال أريحية سياسية غير مسبوقة، تزكيها مواقف دول أخرى التي أيدت و صفقت للحملة العسكرية المسعورة، التي شنها المحتل في الكركرات ضد العزّل، فيما تنشغل القيادة في صياغة البيانات العسكرية و إحصاء القذائف التي أرسلها مقاتلونا بدون وجهة تائهة تهيم في صحراء ابتلعت آمالنا…، و فتح المحتل الباب أمام الدول الراغبة في فتح قنصليات لها بالأراضي المحتلة التي بلغت حتى اليوم 19 قنصلية، و قلنا في البداية أن الدول التي تفتح قنصليات لها ضعيفة جدا و بدون تأثير و لا شخصية دبلوماسية، و أن فتح القنصليات لا حدث…، لكن مع ظهور قنصلية دولة الإمارات بمدينة العيون المحتلة، بدأت الأمور تتغير و أصبح الضغط أكبر على قيادتنا التي أحست بأن إيقاع الصراع ارتفع لمستويات قياسية، و أن لا قدرة لها على شجب دولة بسمعة و تأثير دولة الإمارات العربية، لتكون القاضية مع إعلان الولايات المتحدة الأمريكية التي من المنتظر أن تكمل عقد القنصليات ليصبح الرقم 20 مع نهاية هذه السنة، و أصبح الموضوع مثار سخرية على مواقع التواصل، حيث تساءل صحراويون من الأراضي المحتلة و من المخيمات عن سبب عدم استدعاء جزائر الثوار للسفير الأمريكي و الاحتجاج عليه، ليجيبهم آخرون بأن أمريكا ليست دولة تقليدية، هي المستوى الأخير في لعبة التحدي الأكبر و لا قبل للجزائر على دولة تقرر مصير العالم كل صباح…، و لولا ألطاف القدر و تدخل الوباء الذي عطل الحياة لأشهر، لكان عدد القنصليات مهولا و لكانت الأرقام مفزعة.
- المستقبل الغامض
مع وصول سنة 2020 إلى نهايتها و إطلالة سنة 2021 بأمل اللقاح، لا يسعنا اليوم غير وضع تصور منطقي بعيد عن عواطف الرغبات و عن الشعبوية الثورية التي قادتنا منذ سنوات لأوضاع مأساوية، العقلانية وحدها ستمنحنا قراءة صحيحة للأحداث و تجعلنا نفهم ما سيكون في المستقبل القريب، خصوصا و أن المؤشرات الأولية بعد تخلي أصدقاء القضية عن الشعب الصحراوي و استقالة البرلماني الألماني “خواكيين سوشتير” و تنصله من الدفاع عن القضية، و إصدار السياسيين الإسبان لحكم خسارة الطرح الصحراوي أمام قوة الاختراق الدبلوماسي المغربي، و وصل الاحتلال لمرحلة إقناع القوى العظمى حيث أظهر مجلس الأمن في الاجتماع الأخير تعاطفا مع الرباط على حساب القضية الصحراوية، و تراجع النفوذ الجزائري و تضرر الموقف الجنوب إفريقي إثر الاتفاقيات الاقتصادية بين دولة الاحتلال و بريطانيا…، كل هذا يؤكد أن لا حظ لنا في الإنتصار على المحتل داخل الوعاء الزمني لسنة 2021.
لكن يبقى السؤال الذي يحق طرحه داخل المخيمات و بالأرض المحتلة، هو من سيجلب اللقاح إلى الشعب الصحراوي، و هل الجزائر ستضعنا ضمن نطاق خططها المخبرية للحصول على اللقاح، أم أنها ستتركنا للمنظمات الدولية، في الوقت الذي بدأ فيه المحتل برامج تصنيع ملايين الجرعات لحساب الدول الإفريقية؟
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك