بـقـلـم: حـسـام الصــحـراء
كان أحد أرباب العمل قد اشترى سيارة فارهة، فأبدى أحد العمال إعجابه بها و قال له:”سيارتك جميلة سيدي و تليق بك فخامتها”، فرد عليه رب العمل: “إذا عملت بجد و زدت في ساعات العمل فإني سأشتري واحدة أحسن منها السنة القادمة”… نفس الصدمة التي ظهرت على وجه العامل هي التي نراها اليوم على وجوه قياديينا بعد أن عاملهم جنرالات الجزائر بنفس المنطق لدفعهم إلى الاجتهاد أكثر و هم يتحدون المحتل المغربي في خيار الحرب و يعلنون جاهزية جيشنا … بعد أن أرغم – مرة أخرى- على التورط في الاقتراب من جدار العزل لقوات الاحتلال، التي كانت تطلق عليها قيادتنا اسم الأرض المحررة قبل أن تصدمنا الأمم المتحدة باعتبارها منطقة عازلة منزوعة السلاح.
العلاقة بين العامل و رئيسه في الحكاية هي نفس العلاقة التي نراها اليوم بين الجنرال “طرطاق” و رئيسنا “ابراهيم غالي”، و لا أضع هذه المقارنة نكاية في رئيسنا أو رميا بالأسباب إلى قادة الجزائر الذين مهما شكرناهم لن نوفيهم حقهم التاريخي في بقاء القضية على قيد الأمل و الحياة.. و لكن ثمة مطب أو منعرج نعيش تفاصيله على أعصابنا لأنه ينذر بالكوارث.. لأن الظرفية الجيو-سياسية بالمنطقة و أيضا بالعالم تحتاج لقراءة متأنية حتى لا تحدث الإنزلاقات التي لن يكون ضحيتها غير الشعب الصحراوي.
حيث نبدأ شرح الترابطات بدءا من زيارة السفير الأمريكي للمخيمات التي حركت كل شيء و قلبت الأمور رأسا على عقب، إذ سوقها إعلام القيادة على أنها زيارة محاباة و إعطاء الضوء الأخضر لقادتنا بالرابوني كي يطلقوا أيديهم بالفوضى، على أساس أن أمريكا أصبحت معجبة بفقر مخيماتنا و تميل إلى قضيتنا فرحا بما ستجنيه من ورائنا.. غير أن أسباب الزيارة و نتائجها يخالفون تماما المنطق المسوق إعلاميا من قيادتنا، لأن الجزائر تعرضت لضغط كبير لم يستطع قصر المرادية تحمله كي تفتح المخيمات في وجه العالم، و أن هذا الأمر نتيجة لتواطؤ أمريكي – فرنسي – أممي … و لا استبعد هنا الدور القطري لأن الشكل الذي جاءت به صيغة زيارة السفير الأمريكي و توقيت التقرير الأممي أمام مجلس الأمن و رغبة القيادة الصحراوية في خروج كل قواتنا بما فيهم مقر وزارة الدفاع إلى المناطق المحررة يكشفون وجود وضع جديد ناتج عن صفقة مصالح ضخمة بالمنطقة.
و بما أن الجزائر أصبحت في مرمى الاتهامات بسبب قوة لوبي المحتل المغربي الذي طالب بصريح العبارة من الأمم المتحدة وضع مفاوضات مباشرة بين المغرب و الجزائر، من أجل توريط هذه الأخيرة بشكل رسمي و علني في القضية كطرف لأن المخيمات فوق الترب الجزائري و هذا يكفي لإثبات التورط من وجهة نظر المنتظم الدولي، و هو الأمر الذي جعل الجزائر تضغط على الرابوني من أجل البحث عن بديل للمخيمات خارج التراب الجزائري خصوصا و أن بيت الحكم الجزائري يعرف إعادة ترتيب جدري و قد يغير في أولويات الرئاسة الجزائرية التي تعتبر الدفاع عن حق الشعب الصحراوي قضيتها الأولى، كما أن الحكام الجزائريين لا يثقون في الإدارة الأمريكية الجديدة التي لا تعير الاهتمام في قراراتها لأي شيء و الدليل أن تلويح العدو بالحرب و تشديد لهجته فيها يدل على انه حصل على الضوء الأخضر من الكونغرس الأمريكي من أجل القيام بمغامرة عسكرية….فما هو الوضع بالنسبة لقيادتنا في تندوف ؟
ما يقع على أرض الميدان من تحولات يجعلنا نفهم بأن الأمور في الرابوني أصبحت مكشوفة تماما أمام الشعب و أمام العدو و حتى أمام الإتحاد الإفريقي الذي يتابع من زاوية الحياد السلبي، حيث ترى قيادتنا في موقف العدو من الأزمة الخليجية الأخيرة ربحا كبيرا و تراهن على ما تراه شقاقا في العلاقات بين الرباط و الرياض، إذ أنه و في حالة نشوب حرب فالعدو لن يحصل على دعم مجلس التعاون الخليجي، و بالتالي ستكون الحرب بين الجيش الصحراوي و الجيش المغربي، و في هذا المنطق خطأ عظيم لأن العدو تربطه بالخليج إتفاقيات “ملزمة” للدفاع المشترك، و تربطه كذلك اتفاقات مع حلف “الناتو”، و أن العدو حتى من غير دعم خليجي فهو يمتلك جيشا متمرسا و له قدرات قتالية و تجهيزات عسكرية عالية مدعومة بقمر صناعي للمراقبة و الكشف، كل هذا يسمح له بحسم المعركة في زمن قياسي خصوصا إذا حدثت هذه الحرب خارج الحدود الجزائرية، فلا مستقبل للجيش الصحراوي في أرض معزولة، فيما جيشنا الصحراوي سينتظر موافقة الجزائر على منحه المنظومات القتالية الحديثة بعد أن فقد الدعم الليبي، و لا أتوقع أن المنح ستجعلنا في مستوى العدو.
و الدليل على أن المخيمات أصبحت وزنا زائدا فوق التراب الجزائري و أن حكام المرادية بدؤوا فعليا الضغط بقوة على قيادتنا في الرابوني للبحث عن بديل لترابها من أجل نصب خيام اللجوء، هو ما يروجه الإعلام الصحراوي مؤخرا من أجل إقناع الرأي العام الصحراوي و الحصول على الدعم الشعبي لخيار غامض عبر الترويج لمقارنة أن مساحة المناطق المحررة هي أكبر من مساحة 90 دولة موجودة حاليا، و بالتالي فإنه على الشعب الصحراوي الاكتفاء بإنشاء الدولة الصحراوية على الحزام الفاصل بين الجدار العسكري للعدو المغربي و الحدود الجزائرية و الموريتانية، و بهذا المنطق فإن الإعلان على مرحلة تأسيس الوطن قد آنت.. غير أن القيادة لم تضع ردة فعل العدو و المنتظم الدولي في الحسبان و هذا يشير إلى عدم النضج السياسي و الجهل بالأعراف الدولية و عدم توفر قيادتنا على مراكز دراسات و مؤسسات الاستشعار القبلي للمخاطر قبل الإقبال على أية خطوة.
الكل متفق – حتى هذه اللحظة – على أن العالم يجمع على تحريم وضع مسمار في نقطة فاصلة بين دولتين دون الحصول على موافقة المنتظم الأممي و القوى العظمى في وضع عادي، فماذا لو أن الأمر يتعلق بمنطقة نزاع في جزء من العالم يعرف بمنطقة الساحل و الصحراء، و يشهد أنشطة مكثفة للشبكات المتخصصة في الترويج للفوضى؟ لهذا أكاد أجزم في هذا المقال بأن العدو حصل بالفعل على الضوء الأخضر للبدء بعملية عسكرية أتوقعها ستكون سريعة و محددة في حالة الحصول، و المصيبة أن ما سيحدث تتحمل مسؤوليته القيادة لضعف بصرها و بصيرتها و هو كما قلنا في بداية المقال محاولة من بيت الحكم الجزائري لدفع قادتنا من أجل ترك المخيمات و توريط العدو في حرب استنزافية توقف مشاريع التنمية بالمغرب و تعيد الرباط خطوتين إلى الوراء و تكون هذه خدمة العمر التي سيقوم بها الشعب الصحراوي للنظام الجزائري.. من أجل أن يشتري الجنرال “طرطاق” سيارات فارهة في السنة القادمة.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك