بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
في القلب موجة من الغضب و الذهول تفرض علي تجاهل التحليل و الإخبار و تفادي وضع القراءات المتسرعة، ذلك الذهول يضغط على مقالي هذا ليكون الحقيقة – فقط – و لا غيرها، حتى لا يقتلني الكمد، و حتى لا تقهرنا كشعب تلك الغصة في جوفنا التي ما عدنا نستطيع تحمل مرارتها، و حتى يبقى كبريائنا صامدا و هو يخنق الدمع في أعيننا.. و لأجل هذا الكبرياء سأكتب كي أكون من الشاهدين على ما تفعله قيادتنا بهذه القضية، فلن نكذب أجيالنا ما يجري، لأننا سنورثهم هذا التاريخ الذي مشى عليه قادتنا حفاة و هم في طريقهم إلى الهزائم الكبرى، سنورثهم رائحة الذل النتنة التي تزكم الأنفاس، كي يعلموا بأن الخونة عاشوا بيننا كالأبطال.. و تقاسموا معنا رغيف القضية.
فقمة أبيدجان بالكوت ديفوار لم تكن قمة بين إفريقيا و أوروبا، بل كانت قمة طرفاها الحقيقيان هما المحتل المغربي و أوروبا، و كأنه أصبح الممثل الشرعي و الوحيد لإفريقيا أمام العالم، و ليس أمام أوروبا وحدها، و تمنيت أن أضع في هذا المقال ما يشفع لحضور قائدنا في تلك القمة، لكن كل الأماني قتلت لحظة دخول ملك المغرب للجلسة بشكل استعراضي، ذكرتنا بما حصل في قمة “أديس أبابا” يوم عاد المغرب إلى الإتحاد الإفريقي محمولا على أكتاف القادة الأفارقة و تحفه التصفيقات و التبريكات، و نحن حينها كنا نعيش دهشة من خانته توقعات القيادة و الحليفة.
ما حدث من تفاصيل داخل ابيدجان أشرنا له في مقالات سابقة، و قلنا بأن القمة ليست تلك التي ستعقد داخل المجلس الرسمي و ليست تلك التي ستقرأ فيها الخطابات بل التي ستحدث في الكواليس، و كذلك حدث… حيث رأينا الإشارات الكبيرة خلال الجلسة التي شرحت حجم الصفقات التي مرت في الزوايا البعيدة، حيث لا كاميرات و لا مراسلين إعلاميين، إذ بدا الأمر واضحا منذ أن حرم قائدنا من إلقاء الكلمة و كان الجلوس في المقاعد تراتبيا بناءا على توزيع القوى داخل إفريقيا، و رأينا كيف كان مقعد ملك المغرب إلى جانب مقعد الأمين العام الأممي، و هذا يشير على أن موازين القوى في القارة السمراء تغيرت و أن القوى التقليدية أصابها الضمور و الضعف، و أن العدو أصبح الأكثر تأثيرا في القرار الأممي، حتى طريقة الحديث و الابتسامات المتبادلة بين ملك المغرب و الأمين العام الأممي تدل على أن هناك توافقات في الرؤى.
ما أخافني حد الرعب لم يكن فقط جلوس ملك المغرب إلى جانب “غوتيريس” و استقباله بتلك الحفاوة عند الدخول من قبل قادة أفارقة و أوروبيين، بل تلك التفاصيل الجانبية التي لن ينساها أي مواطن صحراوي و هو يتابع القمة، حيث استقبل ملك المغرب رئيس جنوب إفريقيا “جاكوب زوما” و بدا هذا الأخير أمام الصحافة في قمة النشوة و كأنه عثر على حل لكل مشاكل بلاده.. صور الاستقبال جالت العالم و خلقت في الرابوني شعورا بأن أمرا بالليل قد دبر ضد القضية الصحراوية و قد يشارك فيه أصدقاء القضية المقربون، و أن جنوب إفريقيا قد تلحق بنيجريا “بوخاري” خصوصا و أن “جاكوب زوما” يعرف جيدا ما أصاب جاره و صديقه “موغابي” و كيف امتدت إليه الأيادي في الظلام لتضع نهاية لحياته السياسية، و هذا التقارب بين “زوما” و ملك المغرب دونما شك هو بسبب تسارع الأحداث الأخيرة و رغبة “زوما” في البحث عن شركاء سياسيين أكثر قوة، لأن المستقبل في أفريقيا لم يعد ممكنا خارج التحالفات القوية.
و من الصعب على شعبنا في أرض اللجوء أن يبتلع ريقه و أمامه صورة الوزير الأول الجزائري و هو يتحين الفرصة ليمد يده بالسلام إلى ملك المغرب، بدا كرجل خرج من الظل عبر الشقوق ليرسل برقية مستعجلة إلى ملك المغرب، لا أريد أن أضع لها قراءة حتى لا أفزع القارئ الصحراوي، و حاولت حصرها في الفهم على أن “بن يحيا” مد يده إلى ملك المغرب و كأنه يريد أن يقول “لا تآخذ الجزائر بجريرة الوزير مساهل…”، و المصيبة أنه صافح ملك المغرب و لم ينظر إلى الجهة التي كان يقف فيها الرئيس الفرنسي و لم يمد يده ليصافحه، و في هذا الأمر عنف دبلوماسي قد يكسر أضلاع القضية الصحراوية.
كنا نمني النفس بأن هذه القمة ستكون فيها المكاسب الكبيرة و ستقرب المسافات بيننا و بين العدو خصوصا و أن قيادتنا أصرت على المشاركة في أشغالها، حتى ظننا أنها بعدها سيحدث الله أمرا.. غير أن هذه المشاركة لم تخدمنا بشيء، بل كانت أضرارها كبيرة و تكاد لا تحصى، و يكفي النظر إلى الصورة الأخيرة في اليوم الختامي حين وقف القادة الأفارقة مع نظرائهم الأوروبيين في الصفوف الأولى، فيما دفع بقائدنا و هو رئيس الدولة الصحراوية ليقف في الصف الثالث مع بعض الوزراء و التمثيليات الدبلوماسية ذات الوزن الخفيف و المنعدم.. هذه الصورة وحدها تكفي لنقول على ما حدث للقضية الصحراوية في أبيدجان.. الله غالب.