بـقـلـم : بن بطوش
نحتاج إلى تدبر هذه الدروس، لأنها تصنع تحولات التاريخ و تحدث تصدعات في التوازنات الكبرى، و من ينتبه إلى نتائجها يكون على موعد مع الإقلاع الكبير، و هذه الحروب هي أكبر من مجرد صراعات حدودية بين دولتين نوويتين، بل هي عمليات لبتر الأطراف الاقتصادية و قطع الشرايين التي تغذي غدد التفوق الإستراتيجي…؛ فحين أعلنت باكستان ردها على الهند بإعلان الحرب، بعد الهجمات التي قالت نيودلهي أنها تستهدف بنية الإرهاب، خرج وزير الدفاع الباكستاني ليخبرنا بأن أي تدخل أجنبي عسكري مباشر لدعم الهند، أو أي استخدام لسلاح محرم ضد باكستان من أي دولة كانت…، سيدفع إسلام أباد للضغط على الزر المُحرَّم و إطلاق الشياطين و إنهاء العرق البشري…
بداية الحرب بين القوتين النوويتين جعل العالم يحبس أنفاسه و يتوقع ما ستؤول إليه الأحداث في حال خرجت الأمور عن نصابها، لكن و بعد أربعة أيام من استعراض الرعب الذي كان من ضحاياه سمعة الصناعتين الفرنسية و الروسية، و تحقيق نوع من الإشهار للصناعات الحربية الصينية و الأمريكية و الإسرائيلية، تبين أن الحرب بين الهند و باكستان لم تكن غير امتداد للحرب الاقتصادية الأمريكية على الصين، و أنها خلاصة مخطط مخابراتي شديد الدقة و في منتهى الحساسية.
البداية كانت مع قطر و تركيا اللتان ربطتا خيوط التواصل مع “محمد مشتاق خان”، أمير الجماعات الإسلامية في كاشمير الباكستانية، من أجل تجنيد المقاتلين لمحاربة خطة حاكم كاشمير الهندية الذي قالت قناة “الجزيرة” أنه يسعى لتغيير البنية الديموغرافية للمنطقة، بطرده للمسلمين و توطين المزيد من الهندوس، … و بعد أيام من التواصل عمدت جماعة “محمد مشتاق خان” إلى تنفيذ هجوم إرهابي استهدف أسر هندوسية بمنتجع تابع لكشمير الهندية؛ كان هجوما يشبه ما حصل في السابع من أكتوبر في غزة في كل تفاصيله، لأن الجهة المخططة للهجومين واحدة…، الهند ردت على الهجوم باستهداف مناطق واسعة داخل كشمير الباكستانية و حتى داخل الحدود الباكستانية…، لترد باكستان بعنف كبير أظهر أن إسلام أباد كانت على دراية بالمخطط الهندي و كانت على أتم الاستعداد لأي سيناريو و اي تصعيد.
توقيت الحرب صادف وجود مفاوضات سرية بين بيكين و واشنطن حول مصالح الاقتصاد بين البلدين بعد قرار الرئيس “ترامب” رفع الرسوم الجمركية على المنتجات الصينية، و الحرب تسببت في تعطيل خطوط الإمداد الصينية عبر الموانئ الباكستانية، و بعد يومين من المفاوضات لاحظ الأمريكيون أن الصين متشبثة بمواقفها و ترفض تقديم التنازلات و أن لها خطة لتدمير الدولار الأمريكي، ليتم إبلاغ الصين أن تعنتها في المفاوضات سيجعل الحرب تدوم لسنوات مثل الحرب الأوكرانية، لأنهم يمتلكون قرار إطالتها و قرار إيقافها و أن أمريكا مستعدة لتعويض الهند عن خسائرها و مدها بأسلحة تعمل بالذكاء الاصطناعي و متفوقة جدا، و الصين – في ظرف أسبوع- من هذه الحرب خسرت سبع ملايير دولار، و هي تعلم أن تواصل الحرب لشهر فقط سيصيب اقتصادها بالشلل، لأن المعارك تدور في إقليم كاشمير حيث خطوط سلاسل الإمداد الصينية التي تعتمد على الموانئ الباكستانية، و أن استمرار النزاع سيدمر مشروع خط الحرير الذي بُنيّ على الموانئ الباكستانية.
الصين لم تكن تمتلك أي وسيلة للضغط على باكستان أو الهند لإيقاف الحرب، و كان أمامها خياران؛ إما التورط فيها و تحويلها إلى حرب عالمية جديدة، أو تقديم تنازلات اقتصادية لرعاة البقر الأمريكيين و إرضائهم لإيقاف تلك الحرب المجنونة…، و هذا الخيار الأخير هو ما قررته بيكين التي طلبت ضمانات بعد تطور الوضع في إقليم كشمير، مع العلم أن الصين تسيطر على جزء منه لكنها لا تمتلك القدرة على تأمينه…. و هنا قوة الولايات المتحدة الأمريكية.
بعد إعلان وقف إطلاق النار، خرجت “الواشنطن بوسط” تزف للعالم خبر الاتفاق الاقتصادي الجديد بين واشنطن و بيكين، و سافر بعدها “ترامب” في جولة خليجية حيث سينزل في الدوحة ليشكر الأمير القطري على خدمته الصغيرة، و من المنتظر أن يرد عليه الأمير المبتسم بما يقوله المثل المصري: “إحنا خدامين سعدتك، رقبتنا سدادة”، ثم سيهديه طائرة فخمة من طراز “بوينغ 747” التي اشتراها الأمير القطري من الشركة الأمريكية “بوينغ” ليهديها إلى الرئيس الأمريكي “ترامب”… هذا الموقف – الخبر تناقلته كل وسائل الإعلام العالمية عدا “الجزيرة”، و ما ارتبط بها من أدوات إعلامية قطرية.
اليوم تقول المعطيات المسربة عبر الإعلام الدولي أن قطر/”تميم” تحاول بكل جهدها إرضاء “ترامب”، بعدما اتهم الدوحة – في حديث مباشر- مع الأمير بتدبير هجوم السابع من أكتوبر و إيواء القيادات الحمساوية و الإيرانية، و تضيف المعطيات بأن “ترامب” رفض هبة قطرية بقيمة تريليون دولار، و اشترط ضعفها كي يقبل بزيارة الدوحة و غضه النظر ما تسببت به في الشرق الأوسط و التسبب في انهيار السلام بالشرق الأوسط و نشوب حرب بين الإسرائيليين و الفلسطينيين، رغم أن الحقيقة أكبر مما ذكره الإعلام الأمريكي، و أن موقع غزة جعلها ضمن مخطط تجاري ضخم، و تريد إسرائيل ضمها بأي ثمن لبناء واحد من أعظم الموانئ العالمية، كي يدمروا خطوط طريق الحرير الصيني، وأن ما حصل في السابع من أكتوبر لم يكن خطأ حمساويا في التقدير، بل تنفيذا لمخطط شامل تورطت فيه الدوحة.
ما يحدث بين الصين و الهند ليس مجرد حرب بل درس معقد في التخطيط الاستراتيجي، و حين ننظر من ثقب قضيتنا الصحراوية إلى هذه الأحداث، نراها مجرد حرب تفوق فيها السلاح الصيني و الباكستاني على السلاح الفرنسي و الهندي و بطاريات الـ S-400 الروسية، التي أظهرت فشلها من قبل في حرب كرباخ، و لكن النتائج في الحقيقة أشد تعقيدا من هذا، لأنها حرب مواقع و خطط إمداد و حرب مصالح اقتصادية و حرب بطائق رابحة تستخدم لكسر هيبة التنين الصيني، و في شمال إفريقيا لم أرى دولة أجادت قراءة هذه الحرب كما تفعل الرباط، الذي أعلن قبل انطلاق أحداثها عن إنشاء مناطق تخزين استراتيجي، وهو القرار الذي بدا في الإعلام و كأنه مجرد مشروع استراتيجي استباقي لتوقع الكوارث مثل الزلازل و الفيضانات و الأوبئة…، لكنه في الواقع قراءة عميقة و ناجحة لما يقع في العالم و ما يمكنه أن يحدث،… الرباط اليوم، رفقة دول الخليج، هي الدولة الوحيدة في شمال إفريقيا التي لها استراتيجيين يُجيدون قراءة الأحداث… أو لنَقُل أن النظام المخزني هو الأقرب لمراكز القرار العالمية الثلاث.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك