بقلم : القطامي
خلال نهاية الأسبوع الماضي، و في الوقت الذي كان فيه العالم منشغلا بتتبع ما ستؤول له الأزمة الروسية الأوكرانية و كان العالم يحبس الأنفاس مخافة اندلاع حرب عالمية ثالثة، اهتمت الصحافة الجزائرية و الصحراوية أكثر بمواكبة الزيارة التي قام بها نائب وزير خارجية جمهورية هندوراس، “توراس زلايا جيراردو جوزي انتونيو”، إلى الجزائر العاصمة يوم الجمعة 11 فبراير 2022، و لقاءاته مع بعض المسؤولين، و على رأسهم وزير الخارجية “رمطان لعمامرة”، و كذلك انتقاله، يومي 12 و 13 فبراير2022، إلى مخيمات اللاجئين الصحراويين بجنوب الجزائر، للقاء بعض المسؤولين الصحراويين، على رأسهم الأخ القائد “إبراهيم غالي”.
هذه الزيارة تم تضخيمها إعلاميا لإعطاء الانطباع بأن “لعمامرة” حقق اختراقا دبلوماسيا منقطع النظير، و كأن الضيف يمثل دولة لها وزن دولي كبير، مع العلم أن أهم ما تمخض عن الزيارة بالنسبة للجانب الصحراوي، هو تأكيد المسؤول الهندوراسي على اعتراف بلاده بالجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية و تضامنها مع الشعب الصحراوي وقضيته العادلة، و هذا موقف جديد- قديم؛ إذ سبق لجمهورية هندوراس أن اعترفت بجمهوريتنا سنة 1989، تم جمدت هذا الاعتراف سنة 2014، بل و عبرت في مناسبات عديدة عن دعمها للمحتل المغربي، كان آخرها في شهر غشت من سنة 2021 عندما وجه الكاتب الأول لكونغرس هذا البلد، “خوسيه توماس زامبرانو مولينا” إلى وزير خارجية المحتل المغربي، “ناصر بوريطة”، رسالة يعبر فيها عن دعم بلاده لـ “مبادرة الحكم الذاتي التي قدمتها المملكة المغربية طبقا لقرارات الأمم المتحدة باعتبارها حلا وحيدا للنزاع الإقليمي في إطار سيادة المغرب”.
و مهما كانت موافق هندوراس من قضية الصحراء الغربية، سواء كرست اعترفها بجمهوريتنا أو دعمت المحتل المغربي، فهذه الدولة مجرد صوت غير مسموع في الأمم المتحدة و لا تأثير لها في السياسة الدولية، و لمن لا يعلم شيئا عن هندوراس أو يخلط بينها و بين الهند، فهي من دول أمريكا الوسطى، يحدها من الشمال البحر الكاريبي، ومن الشمال الغربي دولة غواتيمالا، ومن الجنوب الغربي السلفادور، ومن الجنوب نيكاراغوا والمحيط الهادئ، وهي دولة صغيرة المساحة، وفقيرة الموارد، و دخل الفرد فيها جد منخفض، حيث يعيش أكثر من 70% من السكان تحت خط الفقر، وتبلغ نسبة العاطلين عن العمل أكثر من ربع عدد سكانها تقريبا، و تشتهر بزراعة الموز والبن وبعض الزراعات الأخرى، ويعمل أكثر من نصف السكان في الزراعة، ويُعتبر الموز مصدر الدخل الرئيسي في البلاد …. و تعاني هندوراس أيضا من عنف العصابات التي تسمى “ماراس” ما يجعلها واحدة من أخطر دول العالم خارج مناطق الحرب وتشهد معدل 40 جريمة قتل لكل مئة ألف نسمة.
بمعنى أن أقسى ما يمكن أن تحصل عليه الجزائر في علاقتها بهندوراس هو استيراد كميات وافرة من الموز لحل أزمة اختفاء هذه الفاكهة من موائد العائلات الجزائرية، و بالتالي من المؤكد أن تكون هناك صفقة تجارية لاستيراد الموز وراء كل هذا التطبيل الإعلامي لزيارة مسؤول حكومي هندوراسي من الدرجة الثانية.
الغريب أن زيارة نائب وزير خارجية هندوراس تأتي في ظل تفاقم أزمة سياسية تعيشها بلاده، بعد وصول اليسارية “زيومارا كاسترو”، إلى رئاسة البلاد، كأول امرأة تتبوأ هذا المنصب و تنصيبها في أواخر شهر يناير الماضي، و ذلك بسبب خلاف على رئاسة البرلمان لولاية مدتها أربع سنوات، حيث أدى عدم اتفاق نواب هندوراس على رئيس برلمانهم، إلى ظهور مجلسين أو برلمان برأسين؛ الأول يضم 58 نائبا انتخبوا “لويس ريدوندو” المدعوم من طرف الرئيسة “كاسترو”، و الثاني يقوده النائب المنشق “خورخي كاليكس” الذي انتخب رئيسا لمجلس منافس من قبل سبعين 70 من أصل 128 نائبا، من بينهم 20 ممثلا منتخبا من حزب الرئيسة ونواب من المعارضة اليمينية.
بل حتى في ظل أوضاع سياسية طبيعية، فجمهورية هندوراس ليس لديها ما تقدمه للقضية الصحراوية، حيث يتم تصنيف هذا البلد سياسيا ضمن “جمهوريات الموز”، و هو تعبير سياسي واقتصادي وليس مصطلحا مجازيا فحسب مبني على فاكهة الموز ومغزاها، و هو مصطلح أصبح ملازما لتوصيف وضع البلدان الفاقدة للسيادة والمرتهنة للخارج، أو التي تتحكم في سياستها شركات اقتصادية عملاقة التي تفرض الحكومات المحلية التي تخدم مصالحها…
و تجدر الإشارة كذلك إلى أن هندوراس كانت من بين الدول الأوائل التي ساندت سنة 2017 إسرائيل و قررت فتح سفارتها بالقدس، تعزيزا لقرار الرئيس الأمريكي السابق “دونالد ترامب” القاضي بنقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس و اعتبار هذه المدينة المقدسة عاصمة الكيان الصهيوني المحتل…. و هنا يطرح السؤال على النظام الجزائري: ” أين هي الشعارات المؤيدة لفلسطين ظالمة أو مظلومة ؟ !!… و هل ستضغط على هندوراس لسحب سفارتها من القدس ؟ أم أن الموز أصبح لدى النظام الجزائري أهم من القضية الفلسطينية؟
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك