بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
و مثلما يحدث في كل النكسات العظيمة التي تتعطر برائحة الفواجع، يصعب علينا كتابة نص كبير نشرح فيه مشاعرنا و نذكر فيه الأسباب و نعلل فيه ما جرى و يجري…، ذلك أن صفحات دولة الاحتلال المغربي تُشَبه العملية التي انتهت باستشهاد أبطالنا في الأراضي المحررة بتلك التي نفذتها القوات الأمريكية لما اغتالت القائد العسكري الإيراني “قاسم سليماني”، حيث كتبت معظمها أن الذي أحدث تلك المجزرة كان بمكتبه المكيف بمراكش يجلس أمام شاشة عملاقة و بجانبه كوب قهوة و بيده جهاز تحكم يشبه الذي يستخدم في لعبة “البلايستايشن”، و كانت المعلومات ترسل إليه منذ بدأت القافلة في التحرك من الرابوني، و انتظر إلى أن دخلت الأراضي المحررة التي تراجعت مساحتها إلى ثلاثة كيلومترات، و هناك و بدون رحمة ضغط على الأزرار، و نشر رائحة الموت في المكان و تطايرت الأشلاء و تناثرت الجثث، و سكن الوجع قلوب الأهالي داخل المخيمات حيث الحزن يرفض أن يبارح القلوب.
هم رحلوا إلى دار البقاء، و على رأسهم الشهيد الركن “الداه البندير”، و بقي الذنب على رقبة من يسكن البيت الأصفر، و سيبقى رحيلهم جرحه حيا بيننا، لأن القيادة كانت و لا تزال تعلم أن المحتل متفوق عسكريا و تكنولوجيا و يمتلك الجيل الأخير من أجهزة المراقبة و الاستشعار و الفتك، و مع ذلك كانت ترسل المقاتلين إلى أم المهالك بعتاد أعمى، و قلنا في مقالات سابقة أن المحتل حين نصب قمرين في المدار الفضائي كان يعد لحروب الجيل الجديد، و يعلم أن القيادة تدفع باتجاه الحرب و رفع السلاح، و لكي يمنع عنها أي إمكانية للتفوق رغم دعم الحليف الجزائري، فقد عقدت الرباط صفقات ضخمة أرعبت حتى الإسبان، و لأن قيادتنا لا تتعلم ولا تنتبه إلى الدروس التي نسوقها لها على هذا الموقع، فمن حقنا اليوم أن نرفع الصوت و ندعوا لمحاسبتها على هذه الخيارات، و سنظل نكرر ما قاله الأخ القائد في وقت سابق بأنه “سيكلم المحتل باللغة التي يفهمها”، و بعد فقدان القافلة العسكرية، اتضح أن قيادتنا خاطبت المحتل بلغة يتقنها أكثر من أي شيء، و أن أجوبته موجعة و قاهرة لقلوبنا.
هذه النكسة ليست محصورة في استشهاد قادة كبار، من قبيل “الداه البندير” قائد جهاز الدرك الوطني، و كذا “حمة مالو”، قائد الناحية العسكرية السابعة، الذي تدور أخبار عن ىنقل أشلاء جتثته، و القائد العسكري بالناحية السابعة ” ولد موندي” الذي تروج أخبار غير مؤكدة عن أسره من طرف جنود الاحتلال، بعد اصابته بجروح خطيرة،… بل في تفاصيل ما حدث، فقد أكدت المينورصو يوم الحادث بأن الأمم المتحدة أخذت علما بمقتل قائد الدرك الصحراوي بطائرة مسيرة (درون)، تابعة للجيش المغربي، لكنها لا يمكنها تأكيد المعلومات، و السبب أن المحتل ينفي وجود حرب….، لأن ما يجري يرقى إلى فضيحة عسكرية صحراوية بكل المقاييس.
فجيش الاحتلال يتستر على ما يفعله بمقاتلينا و يتمنع عن فضح ما يجري، لأن الأخبار الواردة من منطقة “اكديم الشحم” حيث جرت المجزرة تؤكد أن عددا كبيرا من الجنود بعد رؤيتهم هول الإنفجارات التي استهدفت الشاحنات و شاهدوا الأشلاء البشرية متناثرة، رموا السلاح و سلموا أنفسهم لقوات الاحتلال التي حاصرتهم من كل جانب، و لم يقاوموا من تأثير الصدمة.
نحن اليوم أمام امتحان تحمل صعب، و على القيادة أن تواجهنا كرأي عام صحراوي بما يليق و الظرفية من مكاشفة و مصارحة، حتى نفهم إلى أين تسير الأحداث، خصوصا و أنها تعيش حالة شك و ارتجال بعد نشر خبر استشهاد “الداه البندير” ثم حذفه من وكالة الأنباء الصحراوية…، بالأمس القريب كان خطابها حماسيا و ثوريا جدا، و كلما خرج علينا دبلوماسي أو سياسي في قنوات إخبارية دولية إلا وزادت رغبتنا في الحرب، بعدما يكشف لنا و هو يطبل و يزمر و يهدد بالعودة للكفاح المسلح عن القدرات القتالية الرهيبة لجيشنا الشعبي، و الذي تبين بعد الخروج من اتفاق وقف إطلاق النار أنه جيش غير مهيأ للحروب الحديثة، و بعد العودة إلى حمل السلاح بقيت قيادتنا تحاول جر المحتل إلى حرب حقيقية، لكن المحتل فقط يجيب على بيانات الأقصاف و الدك بقنص و أسر المزيد من جنودنا الذين تبين أنهم يرسلون إلى ساحات المهالك بعتاد تجاوزه الزمن العسكري.
هذا الواقع يدفعنا لفتح باب التساؤلات، هل بإمكان القيادة بعد خبر استشهاد كبار قادتنا أن تقنع المقاتلين اليافعين الشباب، بحمل السلاح و التوجه إلى النقاط الحامية، لأن الكلام الذي يروج بين صفوف الجنود الصحراويين اليوم، يقول “إذا كان القادة فعلا يمتلكون سلاحا نوعيا و متفوقا كما يروجون، و يستطيعون به دك الحصون و التخندقات في عمق المحتل، لكان القادة استخدموه لحماية أنفسهم و هم في تلك القافلة متوجهين إلى تيفاريتي”، و تقول رواية أخرى مسربة عن الجيش الشعبي الصحراوي، أن القادة يحاولون قدر الإمكان رفع معنويات المقاتلين بسب حالة الشك و الإحباط التي تضرب صفوف قواتنا الصحراوية، بعد هذا الحادث الذي كشف ضعف الجانب الاستخباراتي، في الجيش الصحراوي، و الذي جعل المقاتلين يتهمون القيادة العسكرية بضعف الإمكانيات و العجز في مواجهة قوات دولة الاحتلال.
و تضيف المصادر أن القيادة العسكرية أثبتت غباءا غير مسبوق و هي تحاول رفع مستوى حماس الشباب، باتهام المحتل باعتماد خبراء إسرائيليين و إماراتيين في استخدام سلاح المسيرات الفتاك، في محاولة لإظهار أن الجيش الصحراوي في مواجهة مع تحالف شرس، يضم قوى الخليج و المحتل و إسرائيل، كي تدفع المقاتلين لاعتبار أن هذه الحرب مقدسة و ضد قوى الظلام، و هذا منتهى الغباء، لأنها هكذا تمكن المقاتل الصحراوي من أسباب اليأس الكامل، و تخبره أن لا مجال للنصر و أن أي مواجهة مع دولة الاحتلال ستكون لصالحه، و ستنتهي بمقتل الجنود الصحراويين أو أسرهم.
بعد هذه الأخبار الموجعة، أصبح واضحا سبب رفض المحتل أي سبيل للمفاوضات أو أشكال الوساطات مع قيادتنا، لأن الرباط تعرف أنها ميدانيا متفوقة، و عدم إنخراط الحليف حتى اليوم في هذا النزاع يؤكد أن الجزائر تعلم بأن الرباط لها تحالفات قوية جدا، و أن تحالفات الجزائري قد لا تصمد أمام تحالفات الرباط، و في حالة المواجهة المباشرة، قد تتحول الأمور عن مسارها التقليدي و تنتهي إلى كارثة قد تغير وجه شمال إفريقيا للعقود القادمة.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك