الأجوبة الشعبوية للرئيس “تبون” تفاقم عزلة النظام الجزائري عربيا و دوليا بسبب استصغاره للإمارات و تنطّعِه على فرنسا… !!
بـقـلـم:بن بطوش
و أنا أنهي قراءة كتاب “حياة ثيسيوس”، للفيلسوف “بلوتارك” الذي كتبه قبل ألفي عام، الذي يحكي مجد الملك و المحارب الأسطوري –اليوناني الذي يدعى “ثيسيوس”، تجلت لدي التساؤلات الوجودية للوضع الجزائري و للقضية الصحراوية… !!، ذلك كون الكتاب يقول بأن “ثيسيوس” كان يملك سفينة حربية خاض بها معارك بحرية و غزوات عظيمة و عاش بسببها اليونانيون أياما عصيبة بسبب الحروب المتواصلة…، و بعد وفاة هذا المحارب – الملك، أرادت نخب أثينا الحفاظ على هيبة السفينة، فقرروا تغييرا كل القطع التي تفسد منها بأخرى جديدة و مصقولة أكثر، ليطرح الكاتب “بلوتارك” سؤاله المحير: إذا تغيرت كل القطع المكونة للسفينة بأخرى حديثة، فهل ستبقى نفس السفينة… ؟!!، ليرد عليه الفيلسوف الإنجليزي “طوماس هوبز” قائلا: إذا ما احتفظنا بالقطع القديمة و جمعناها، سنحصل على سفينة أخرى مقابل السفينة التي تم تغيير كل قطعها، و سنكون أمام سفينتين و السؤال أيهما الأصلية !!؟، …”هوبز” هو مؤسس الفلسفة السياسية الحديثة، و حين أجاب “بلوتارك” فهو لم يكن يتحدث عن السفن بل عن السياسيين و الدول.
نترك جنون الفلسفة و عبقرية أهلها و نعود إلى وضاعة السياسة و دهاء عرابيها، فحين استمعت مثلك أيها القارئ الكريم إلى الحوار الصحفي الذي أجراه الرئيس الجزائري، “عبدالمجيد تبون“، و مع انتهاء آخر عبارة له تساءلت عن السبب الذي جعله يتجاهل القضية الصحراوية و يتجاوز ذكر حادث إغتيال نجل “القذافي”…، و تساءلت أخيرا كما تساءل “بلوتارك”: هل السفينة التي يقودها “عبد المجيد تبون” هي نفسها تلك التي حارب لأجلها الشهداء و التي حلم بها “بن بلة” و “بومدين” ؟…. لا يوجد من يستطيع الإجابة عن هذا السؤال أكثر من الجزائري البسيط، الذي يستيقظ صباحا لينطلق في رحلة بحث بين الطوابير الطويلة عن أساسيات غذاءه، و يعود في آخر النهار منهكا و مكسورا إلى بيته كي يواجه مشاكل المياه بأنفة “الشيكور”.
حتى لا نضيع الكثير من مساحة هذا المقال في التساؤلات، ندخل إلى عمق الموضوع، و نبدأ بمحاولة فهم السبب الذي جعل الرئيس الجزائري يصف الإمارات العربية بـ “الدويلة”، لأن الجميع ربط بين الغضب الجزائري و مقتل “سيف الإسلام”، غير أن الواقع مختلف و قد جاء شرحه في الإعلام الفرنسي، الذي كشف عن تفاصيل سرية لصفقة في الخفاء تهيؤها باريس لطعن الجزائر، بتفويت عملاق المحروقات الفرنسي TotalEnergies فرع الجزائر، لمجموعة إماراتية تمتلك إسرائيل نصف رأسمالها…
بمعنى أن الصندوق السيادي الإماراتي “دبي القابضة”، مناصفة مع صندوق استثماري إسرائيلي سيمتلكون حصة شركة TotalEnergies المساهمة في الإنتاج الطاقي بالجزائر، و التي تبلغ نصف الحصص في إنتاجية عدة حقول، و هذه كارثة حقيقية في حال لم تتحرك الجزائر، التي تعاني من مشاكل سيولة و لا تستطيع شراء الحصة من باريس، لأن فرنسا تعرض حصتها برقم مرعب يصل إلى 30 مليار دولار، كتقييم أولي لخبراء البورصة على شكل أصول و أسهم و صفقات.
القضية لا تتوقف عند هذا الحد، لأن الإمارات العربية بدأت حربها الاقتصادية ضد الجزائر، و لأن الاقتصاد الفرنسي هو تحت رحمة الرأسمال الإماراتي، فقد عرضت الإمارات على فرنسا شراء حصتها من الشركة الأم لاتصالات الجزائر، و عرضت كذلك شراء قاعدة “حماقير” التي تخصصها فرنسا لتجريب الأسلحة المبتكرة من طرف الشركات الفرنسية، و الميناء العسكري “المرسى الكبير”، الذي انسحبت منه فرنسا سنة 1967 لكنها لا تزال تمتلك عقود ملكيته بناءا على بنود “إتفاقيات إيفيان”، و عدة منشآت صناعية جزائرية و جميع حصصها و حقوقها من المناجم الجزائرية التي اكتشفتها وزارة المعادن الفرنسية…
بمعنى أن الإمارات العربية تريد بشراكة مع إسرائيل شراء الشق الاقتصادي كاملا لـ “اتفاقيات إيفيان”، و هي جادة في ذلك و تعرض أموالا تسيل لعاب الإليزيه الذي يعاني من أزمة سيولة لتمويل مشاريع عسكرية و سياسية، و تجد باريس في العرض الإماراتي عصا سحرية تستطيع بها الانتقام من النظام الجزائري، و إخضاعه قهرا، و كل هذا تحت مرأى و مسمع واشنطن التي تنتظر لحظة الصفر، التي يستغيث فيها قصر المرادية من البيت الأبيض كي يفرض عقيدته و شروطه و ناموسه على الرجل الذي كان يطمح لمحاربة الدولار بالأمس القريب و كان يصف “بوتين” بصديق العالم و حامي استقلال الجزائر.
حديث الرئيس الجزائري كان يخفي مخاوف جزائرية عظيمة، و كان يتضمن إشارات مرعبة، و حين ورط التاريخ المصري، و هو يعترف أن الجيش المصري كان فعلا مشاركا في إراقة الدماء بين الإخوة، خلال الحرب التي شبت نارها بين المغرب و الجزائر سنة 1963، و كان يدعم الجيش الجزائري، فكلامه لم يكن عشوائيا، و مناسبته وافقت ما يجري على الحدود و ما يقوم به الجيش الجزائري في قصر “إيش”، و كأنه يكرر التاريخ، حين مدح “بن بلة” الجيش المصري و وصفه بالجيش العربي القوي الذي ساهم في استقلال الجزائر، و بعدها بأسابيع لبى “جمال عبد الناصر” طلب “بن بلة” و دعم الجيش الجزائري بفيالق جوية و برية ضد المغرب خلال حرب الرمال.
اليوم الرئيس الجزائري يخبرنا عبر هذه الخرجة الإعلامية أن “السعيد شنقريحة” يجهز لمغامرة مرعبة بالمنطقة، و هو يدرك أن الجزائر لا حلفاء لها، فأرسل عباراته إلى مصر يسألها الدعم، و هي الإشارات التي التقطها الرئيس المصري “عبد الفتاح السيسي”، و رد عليها بالترحيب و التمجيد و هو في طريقة إلى الإمارات العربية للقاء حاكم البلد التي وصفها “تبون” بـ “الدويلة”، و تفاعل الرئيس المصري مع تصريحات الرئيس الجزائري فيه رسائل للرباط.
و رغم ذلك هو لا تعني أن “السيسي” سيكرر موقف “جمال عبد الناصر” في حال نشوب حرب حدودية بين المغرب و الجزائر، لأن التوازنات الجيوسياسية هذه المرة مختلفة جدا و متنافرة، و حلفاء الرباط – هذه المرة- هم من يقررون مصير دول العالم كل صباح، و لكن تفاعل “السيسي” كان فيه الكثير من العتاب للرباط على ما حز في نفس المصريين، بعد إعلان الرباط توقيع اتفاق دفاع مشترك مع إثيوبيا، و أيضا بعد رفع التعاريف الجمركية على المنتجات البلاستيكية المصرية إلى 95%، كرد فعل على سياسة إغراق الأسواق المغربية بالمنتجات البلاستيكية المصرية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك