بـقـلـم : أغيلاس
و كأن اليأس تمكن من تلابيب القلب الصحراوي، و استوطنه دون رحيل…، حيث خمدت فجأة الحرب الإعلامية التي كانت على منصات التواصل الاجتماعي، و انقلبت الحملة إلى بكائيات ترثي واقع الحال و ما آلت إليه الأحداث، بعد أن أيقنا بأن المحتل أخد الكركرات بلا رجعة و يفكر في التمدد شرقا و شمالا، ففي الوقت الذي تقول البيانات القيادية أن جيشنا يدك معاقل و جحور الجيش المغربي خلف جدار الذل و العار، كتب مدون من مقاتلي الجيش الصحراوي :”لحكنا من الحكرة أن جيش الاحتلال جند لمواجهة البرد في الجبال أكثر مما جنده لمواجهتنا بالمحبس…#الجبهة_ضحكت_فينا_العالم”، فيما كتب مدون ثان من الأراضي المحتلة يقول: “شهر و نصف من القصف بالراجمات و الصواريخ و لم نحدث خرم إبرة في جدار الذل و العار، و كأننا أمام سد ذو القرنين”، بينما نقول نحن كرأي عام صحراوي مؤثر و يعرف أين تتجه الأحداث، أن ما يحدث من مناوشات عسكرية فقط، كرنفال شعبوي غبي، من قيادة مقعدة و عاجزة، كسر المحتل فقراتها الدبلوماسية الواحدة تلو الاخرى بعدما انفرد بها في المعبر الملعون و أهانها بغاية الإذلال.
فالأحداث الحقيقية و الحرب الطاحنة تجري على الساحة الدبلوماسية، و المحتل الذي قلنا أنه فاوض الأمريكيين بندية مرعبة لم نتوقعها و فرض عليهم رأيه، و قبلوا بشروط فتح القنصلية و الاعتراف-الكارثة و مراسلة الأمم المتحدة لتوثيق ا ذلك و جعل ذلك “الاعتراف” قرارا فدراليا أمريكيا لا يخضع للنقض، و لا للتصويت بالكونغرس و لا يمكن إلغائه بعد تضمينه فقرة انه خيار استراتيجي أمريكي و يلزم الرؤساء المقبلين على البيت الأبيض…، و كنا نظن أيضا أن هذا القرار و فتح خزائن السلاح الأكثر تطورا أمام المحتل سيكون آخر الأحزان و منتهاها، لكن الدبلوماسية المغربية تشتغل بأذرع كثيرة و كأنها أخطبوط من عالم آخر، و بعد أن ضربت في واشنطن و نيويورك عادت لتضرب في الإتحاد الأوروبي و دون أن يزايد علينا أحد من دجالي الدبلوماسية الصحراوية؛ فالمحتل من يقف وراء استقالة “خواكيم شوستر” كبير أصدقاء القضية و رئيس “المجموعة المشتركة للصحراء الغربية”.
استقالة الرجل لا بد أن نضعها في سياق منطقي و متزامن مع الأحدث حتى نفهم القادم الذي دوما نحذر منه، و يتحقق كرؤيا طبقا لما نستنتجه، و أن نربطها بشكل حلقي و منطقي مع الأحداث الحاصلة و التصريحات التي تسرب لنحصل على التوجه الدبلوماسي لدولة الاحتلال، و نحدد الأهداف القادمة التي إن تحققت ستنهي نضال نصف قرن من التضحيات و الأماني المؤجلة، و تبخر ما تبقى من حلم أجهضته القيادة بغباء و رعونة قبل أن تجهضه القوى الدولية التي تتحكم في سير الأحداث.
ما قاله “خواكيم” قبل أن يستقيل شديد الخطورة، و يجب التعامل معه بحذر زائد، لأن القيادة الصحراوية كمن يقود بالقرب من جُرفٍ هارٍ في الظلام بلا أضواء بعد أن نفذ حظه…، و الواقع أن الذي نفذ من قضيتنا ليس الحظ فقط بل حتى المال، و جاء في رسالة النائب البرلماني الألماني الموجهة إلى زملائه من النواب الأوروبيين: “أعتبر أن انتهاك البوليساريو لوقف إطلاق النار خطأ استراتيجي خطير، لا أرى كيف يمكن أن يساعد ذلك في تحفيز حل سلمي للنزاع، بل أرى في ذلك تصعيدا من شأنه تأجيج هذا الخلاف بشكل كبير، لا أعتقد أن هذا يخدم مصالح الساكنة الصحراوية“، هذا الكلام مفصل على المقاس الذي تريده الرباط، و هو شديد المعاني لأنه خرج من مشكاة رجل خبر الدبلوماسية الدولية كثيرا، و من العارفين من سيقول أن “خواكين سوشتر” قال هذا الكلام من منطق كرهه للحرب كجميع الألمانيين، بسبب عقدة النازية و بسبب الإحساس الجماعي للشعب الألماني و سياسييه بالمسؤولية الأخلاقية عن حربين عالميتين أزهقت ملايين الأرواح…
لكن بعد الاستقالة اكتشفنا أن البرلماني الألماني الذي كان يترافع لأجل قضيتنا، ينتمي إلى التيار اليهودي-الألماني داخل الإتحاد الأوروبي، بمعنى أن دبلوماسية الحليف الجزائري في عهد وزير الخارجية المخضرم “رمطان العمامرة” الذي كان تحت يديه بعض من مفاتيح خزائن عائدات العصر الذهبي للغاز و البترول زمن البحبوحة الاقتصادية، حين تعاقد مع هذا البرلماني الأوروبي كان يعرف أنه ينتمي للوبي اليهودي الألماني، و أن “لعمامرة” طلب من هذا اللوبي دعم القضية الصحراوية، و حصل على ذلك، بل أن “العمامرة” لعب دور الرابط بين الرئاسة الجزائرية و اللوبي اليهودي في أوروبا و أمريكا، و نجح في تجنيد عدد لا بأس به ضمنه منظمات حقوقية ترفض الخوض في ملفات داخل المخيمات و داخل الجزائر لكنهم مؤخرا بدؤوا يتحينون الفرصة للتخلص من الارتباط بالقضية الصحراوية، إثر توقف الجزائر عن صرف الجوائز المالية التي تغدق بها عليهم، بعد كل ضغط يمارسونه على مصالح المحتل، و كان أشهر إنجازاتهم تعطيل تمرير اتفاق الصيد البحري و التبادل التجاري الفلاحي بين المحتل و الإتحاد الأوروبي، لكن في نهاية المسار حصل الاتفاق و منينا بالهزيمة النكراء كما جرت العادة.
هذه الاستقالة كشفت لنا عدة حقائق منها أن الجزائر تتواصل بشكل دوري مع لوبيات يهودية داخل أوروبا، و لم تتحفظ يوما على التعامل معهم، رغم كل الضجة الاعلامية التي تفتعلها اليوم بخصوص التطبيع، و أن قضيتنا تذوقت ثمار هذا التعاون، و اليوم هذا اللوبي القوي يتخلى علينا بسبب ولائه للولايات المتحدة الأمريكية و إسرائيل بدرجة أولى، و بسبب تراجع المنافع التي كان يتحصل عليها من الجزائر بدرجة ثانية، و الخطير أن ما تضمنته رسالة “خواكين” يفيد بأن الرجل منح للمحتل شهادة يمكنه الاعتماد عليها لتمرير قانون تجريم الأعمال العسكرية الصحراوية في منطقة المحبس، و أيضا يمنح أمريكا التي تبحث عن بديل للسودان التي خرجت من قائمة الدول و المنظمات الراعية للإرهاب، فرصة تعويضه بجبهة البوليساريو، و بالتالي نحن أمام مرحلة جديدة قد تُجر فيها الجزائر أيضا لقوائم رعاية الإرهاب.
هذه الاستقالة التي لم يُرِثيها و لم يعلق عليها البيت الأصفر بالرابوني، تعد نكسة لا تقل عن الموقف الأمريكي و ستزيد من كشف سَوْءَة دبلوماسيينا و مناضلينا…، و في مقدمتهم “ولد السالك” الذي يُطنب التعبير و لا تتضرر شهيته في الكلام رغم النكسات، و ستفضح دبلوماسيتنا بعد أن أخلت أوروبا للمحتل المغربي كي يرتع فيها طولا و عرضا، و قريبا سنسمع استثمارات أوروبية بالملايير في الصحراء الغربية، كما فعلت أمريكا التي وعدت باسثتمار 5 ملايير دولار خلال السنوات الأربع القادمة، و سنسمع عن افتتاح لقنصليات أوروبية بالمدن المحتلة، حينها ستكون حربنا الدبلوماسية كاملة مركزة على إرضاء أمريكا و لشطب اسمنا من قوائم المنظمات الراعية للإرهاب… هذه خارطة طريق المستقبل التي ستعبر منها قيادتنا و قضيتنا بدءا من سنة 2021.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك