بـقـلـم: حـسـام الـصـحـراء
لا تزال الوثيقة التي تحمل عنوان “أرضية البحث و النقاش” تشغل المناضلين الصحراويين كوليمة فرح ملغومة في رمضاء رمضان، ذلك أنه كلما تقدم بنا النقاش في تفاصيل تلك التساؤلات و الأفكار كلما اكتشفنا ضعفنا الفكري و تأخرنا المنهجي، فأربعة نصوص تأملية سبقت هذا المقال كانت كافية لنفهم أن البحث عن أفكار لإصلاح القضية أشبه ببحث فتاة عن فستان سهرة طويل في مدينة تحترف الانحراف و العري، فلن نصفق لقيادتنا لمجرد أن بعض الأولاد تمكنوا من دباجة ثلاثة صفحات من التأمل و التساؤل و التعجب، و أن نقول بأننا أدركنا أخيرا ما كان ينقصنا، لأن مركب النقص في قضيتنا أكبر من أن تصلحه بعض الأفكار الترقيعية.
هذا المنهج الإصلاحي المتفرد في الأسلوب لقيادتنا، جعلنا نفكر في وضع مقارنة بين “أرضية النقاش و البحث” و المدارس العالمية للإصلاح كي نعرف مدى احترام قيادتنا للمقاييس الإصلاحية المتعارف عليها عالميا، لعلنا نفهم بشكل ما كيف تفكر القيادة و تتوضح لنا الرؤيا عن مدى بعدنا أو قربنا من هذا العالم الذي نعيش على هامشه في صحراء لا أظن أن أحدا غيرنا يجرؤ على العيش فيها، فهاكم تجارب الأقطاب العالمية الثلاثة في الإصلاح :
– المدرسة الآسيوية : هذه المدرسة التي قلبت الطاولة على الأنماط التحكمية للحاكم من خلال الإكثار من إنشاء المؤسسات لتقزيم دور السلطة المركزية التي كانت تعتبر قبل الإصلاح سلطتها تتجاوز المادة إلى الروح في الحياة اليومية للمواطنيين، لكن هذا لا يعني أن البلدان الأسيوية كانت تعيش في عراء و حفاء و جفاء مثلنا، بل كل ما في الأمر أنها كانت منقوصة من الحرية بسبب سيطرة المبادئ الكونفوشيوسية على الحياة، غير أن الإصلاح حينما تقرر لم يداهن و لم يحابي و لم يفرق بين الحكام و المحكومين بل وضع رقاب المخطئين تحت مقصلة.. لقد أصبح المواطن في هذه البلدان أكثر كرامة من الساسة.
– المدرسة الأوروبية : بعد أن تأكدت أوروبا بأن مواجهة عمالقة العالم كأمريكا و الصين و روسيا و ما ينتجونه من أزمات تكاد تصبح يومية لا يمكن أن يحدث في ضل التفرقة، لدى قامت أوروبا بتوحيد صفها و عرت عن سواعدها الاقتصادية و أسست لثقافة الإصلاح حتى أصبحت تطبقه بشكل دوري، و أسست لمكانيزمات هذا الإصلاح و جعلت له مؤسساته التي لا يتدخل في تفكيرها أحد، و أصبحوا يحرصون على توصياتها أكثر من حرصهم على إقامة القداس، فآمنت هذه القارة أن الإصلاح يجب أن يكون لأجل الإنسان و ليس خدمة للشعارات و البنايات.
– المدرسة الأمريكية : هذه المدرسة التي عودتنا على التميز و الاختلاف و إنقاذ الكون حتى في أحلامها الهوليودية، هي المدرسة الوحيدة في العالم التي تجهز الدواء قبل ظهور الداء، لكنها مدرسة تستحق الثناء لأن منطقها الإصلاحي متطور جدا، فلديها عدد هائل من الأجهزة و المؤسسات التي لا تتوقف عن البحث و التفكير و لا تتوقف عن الابتكار و هي هجين من الأجناس إذا يمكنك أن تجد الصيني يفكر إلى جانب الألماني و يناقشهم مصري أمام خبير نيجيري، دون أن يقاطعهم الملاحظ المكسيكي… فهي بلد هجين و يؤمن بالإصلاح كأساس لإذابة الاختلاف و تطوير القدرات.
بعد هذه الجولة العالمية المقتضبة نعود إلى المدرسة الرابونية و مفهومها للإصلاح، الذي لا يعادله غير ما فعله “هولاكو” يوم اجتاح بغداد، إذ منحت بعض الشباب المحبط حق التفكير فأنتجوا لنا نموذجا فكريا أكثر تطرفا من النموذج الداعشي، إذ أظهروا هواية سياسة غير منظورة، و جعلوا الحيرة تفترسنا، إذ كيف السبيل إذن لإصلاح شيء لا يحتمل الإصلاح، فقادتنا أصبحوا مثل المهندس الذي أحدث بنيانا به عيوب قاتلة، و بعدما أدخل عليه الإصلاحات اكتشف أن كل ما قام به أضاف أوزانا زائدة عجلت بانهياره.
فلا يمكن أن يحدث الإصلاح و يثمر لنا دولة بعيدا عن الإيمان بمبدأ محاسبة من أوصل القضية إلى هذا الطريق المسدود، ففي اليابان مثلا استقال وزير العدل بسبب زلة لسان، و في فرنسا أرغمت وزيرة الخارجية على الاستقالة بسبب تلبيتها لدعوة من النظام التونسي البائد، و اعتبروا الأمر إهانة لثوار تونس، و في بريطانيا وضعت رقبة “طوني بلير” تحت عجلات الشعب بعد كذبته الشهيرة في قضية أسلحة الدمار العراقي، و حكومة العدو أنهت مهام وزير بسبب شرائه علبة شكولاتة من أموال الشعب…. هذه ديمقراطيات تستحق أن تكون حالة مدرسية، و هي نماذج إصلاحية جاهزة تحتاج فقط بصر القيادة لتنضرها.
و عندنا نحن سرقت المساعدات و أهين الشعب و قتل الشباب خطأ و أحرقت الخيام ليلا و نهبت الأموال و صرفت أخرى على ليالي المجون في واشنطن، وخسرت القضية بالضربة القاضية في الأمم المتحدة أمام العدو، و امتلأت البطون بالمال الحرام، و توجر بالأطفال، و أطلت علينا “مريم البشير” بتبانها العجيب على صفحات مجلة إسبانية و والدها يمشي بيننا كالفاتح العظيم… كل هذا و غيره و لم يستقل أحد من القادة !!؟ و في كل مرة يتزاحمون على المنابر الإعلامية ليشرحوا لنا الوطنية، و وجوههم مليئة بالعضلات لكنها فارغة من الحياء.. فلا يمكن إصلاح قوم يرفضهم الإصلاح.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم