بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
و كأن هذه القضية ترفض أن تراني مطمئنا و هادئا.. و أنا الذي اخترت الخلوة بعيدا عن أخبارها و فضلت قراءة كتب البراري للماما أفريكا، لعلي أجد في مجتمع الوحوش ما ينسيني حزن مجتمعنا الموحش، و من كوارث الصدف أني قرأت لكاتبة زارت الغابات الإفريقية تقول “أن الغزال في كل فجر يستيقظ و هو يعلم أن عليه الركض أسرع من أقوى أسد إن هو أراد النجاة، و أن الأسد يستيقظ كل صباح و هو يعلم بأنه عليه أن يركض أسرع من أبطأ غزال إن أراد أن يجد غداءا يدفع عنه الموت..” حينها علمت أنني لم أترك القضية الصحراوية و لا أعيش الخلوة، بل أنا أقرأ لمدرسة الواقعية التي توفر لي الدروس و تمدني بالعبر.. شيء من القدر قادني إلى هذه الكتب كي أستنبط لقيادتنا منها حاجتهم من الخطط و الدروس و العبر.
كم أغاضني الإحساس بالغيرة من هذا المجتمع الغابوي الإفريقي البسيط، فكيف أننا عجزنا أن نفكر مثل الأسد و الغزال، و لا إهانة في الموقف لأن ما يحصل هناك هو نفسه ما يحدث معنا مع تعديلات بسيطة في القواعد، فلو أن قيادينا و سياسيينا و مناضلينا و إعلاميينا و مرتزقتنا و شبابنا و جمالنا.. إستيقضوا صباحا و هم يعلمون بأنهم مطالبون بالتحرك أسرع من العدو المغربي في العواصم و المؤسسات الدولية لما كان هذا حالنا، و لو أن أصحاب الأموال من الصحراويين إستيقضوا في كل صباح و هم يعلمون بأن عليهم عدم الركون إلى النوم و التعجيل بالبناء و الإستثمار و إنشاء إقتصاد بالمخيمات لما سمعنا أن شبابنا يتطرف و يتورط في قضايا بعيدة عن قضيته.
وهذا الكلام لست أقوله وحدي و لا أنفرد بالتفصيل فيه على اعتبار أن كل المدونين الصحراويين على مواقع التواصل يحذرون مما يجري لشبابنا داخل المخيمات، و يشيرون بالأصابع إلى اليأس الذي يدب في النفوس حيث لم يعد أمام الشاب الصحراوي غير خيارين لا ثالث لهما إما أن ينظم إلى عصابة للتهريب أو أن يسلم نفسه و نواياه إلى التنظيمات الإرهابية المنتشرة في الساحل و الصحراء كي يضمن الحد الأدنى من أسباب العيش، و لا يستطيع قيادي واحد من حكومة الرابوني أن ينفي هذا القول الذي ألقيه عليه عبر هذا المقال و أنا أدرك أنه قول ثقيل ليس لأنني أدعي امتلاك الحقيقة بل لأنهم يدركون بأن أمور القضية لا تقود إلى الخير و أنهم فشلوا في سياساتهم و لم ينجحوا في في بناء النفوس الصحراوية.
فقد نبه المدون الصحراوي المسمى said zarwal في صفحته في الفايسبوك إلى درجة خطورة الأمر و هو الشاب المعروف بين أقرانه برجاحة العقل و سداد الرأي إذ تسائل عن سر صمت القيادة بعد أن بلغ إلى علمها بأن عشرات الشبان من المخيمات إختاروا الانتماء إلى الجماعات الإرهابية و هو الأمر الذي علق عليه الجميع برأي واحد كون إنسداد الأفق و موت الأمل في المخيمات و غياب سياسة الاحتواء للشباب و التأطير و غياب المراقبة للمساجد و للدعاة و غياب الوعي الكافي.. هو ما يدفع الشباب الصحراوي إلى هذه الاختيارات التي تنبئنا بأن القضية دخلت عصر المصائب العظمى.
لكن التساؤل الذي صاغه المدون الشاب لم يجد جوابا شافيا و لم يحرك في الرابوني أي شيء، إذا ما سر ذلك الصمت المطبق و الرهيب حول ظاهرة التطرف التي ستجر القضية إلى جرف المهالك، رغم أن ظاهرة التطرف بالمخيمات لم تعد سرا، و أصبحت المنظمات العالمية تنتبه إليها، فإني أجتهد في هذا المقال و أجيب عن تساؤل said zarwal، لأن القيادة ببساطة لا تمتلك أرادتها و ليس ميسرا لها الجواب عن مثل هذه الأسئلة، ذلك أنه بعد أن ثبت تورط عناصر صحراوية في أحداث عين أميناس في يناير من سنة 2013 ممن كانوا ضمن كتيبة مختار بلمختار الملقب بالأعور التي هاجمت المجمع النفطي و أيضا ما حدث قبلها خلال سنة 2011 بعد مقتل الأجانب على أيادي عناصر متطرف بينهم عناصر صحراوية، و أيضا إعترافات عدد من الصحراويين الذين أسروا في حملات عسكرية بليبيا و شمال مالي.. و ورود تقارير من الإتحاد الأوروبي و خصوصا تقارير فرنسية أن بني عمومتنا من الصحراويين هم من يؤمنون الطريق لقوافل المخدرات إلى صحراء مصر و ليبيا و السودان و هم من حراس الفوضى بالساحل و الصحراء.. و لا أقول هذا عبثا لأن المراجع في الصحافة الموريتانية توثق هذا الكلام، كل هذا كان علامات على أن القيادة متورطة حتى النخاع في ما يحصل لشبابنا و أن الأمر أكبر من إرادتها، و لا يمكنها بأي حال أن تفتح هذا النوع من الحوار حتى لا تواجه الأسر الصحراوية و إتهامات المنظمات التي تمتلك الحقائق.
لكن المصيبة أن للعدو أعينه التي لا تخطأ ألوان التطرف و أن أوروبا تثق كثيرا في خبرة العدو المغربي و قدراته، و كان هذا الملف واحدا من أسباب الهزيمة التي منيت بها قضيتنا في صراع الثروات و تجديد الإتفاق بين الإتحاد الأوروبي و العدو المغربي، و قيدتنا تعرف أن طريق التطرف هو طريق زوال القضية، فلو أنها تعلمت من مجتمع البراري الإفريقي أن تستيقظ باكرا و تركض أسرع من العدو لكان خير لها من دفع الأفئدة الجائعة و بيعهم للقتال في قضايا لا تربطنا بها صلة مقابل دولارات معدودات تنفق على إستجمام المحضوضين من المناضلين و المقربين من البيت الأصفر.. و لن ألوم الأولاد على الغضب و عزف أناشيد التطرف بل ألوم القيادة لأنها من أرادتنا أن نكون.. غرباء .. غرباء.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك