بقلم : الغضنفر
حتى لو تمكَّن النظام االجزائري القائم من السيطرة على الاحتجاجات الحالية بالبلاد فإن علاقته بالشعب وصلت إلى طريق مسدود، وستستمر هذه الأزمة الخانقة بين النظام والشعب حتى مع الوصول الى توافق من اجل تنظيم انتخابات رئاسية، و زاد تعنت الفريق “احمد القايد صالح” الوضع سوءا، من خلال إصراره على بقاء بعض رموز النظام القديم و التضحية بالذين يعتقد بأنهم اوراقا محروقة لدى الشعب و فرصة رجوعهم مستقبلا كفاعلين سياسيين شبه معدومة، و هو ما يجعل الملاحظين يعتقدون بأن النظلم الجزائري القائم دخل مرحلة أكل أبناءه.
فالاحتجاجات بالجزائر تؤكد – يوما بعد يوم- قدرتها على استنزاف النظام الحاكم و دفعه الى التخلص بالتدريج من الاوزان الزائدة بسفينته، من خلال حملة الاعتقالات لرموزه التي لا يمكن التكهن بعواقبها على المديين القريب و المتوسط، ذلك أن أربعة أشهر فقط من الاحتجاجات حدث زلزال كبير بقصر المرادية، جعل الفريق “احمد القايد صالح” يقدم على مجموعة من الخطوات غير المنتظرة، بعدما وجد نفسه اليوم واقفا وحيدا في قمة هرم السلطة بالجزائر، و مفتقدا بفعل تكوينه العسكري للكثير من أدوات التدبير السياسية و الدبلوماسية التي تتيح له حل الازمة الداخلية و ممارسة الحكم دون اللجوء للقوة؛ في حال ما أصر المحتجون على مطالبهم برحيل جميع رموز النظام، وهو المطلب خطير وغير قابل للتنفيذ بالنظر الى طبيعة النظام الجزائري، الموروث عن الحقبة الستالينية، الذي لا يؤمن بالتعددية، من جهة، و عدم بروز قيادات واضحة للمحتجين يمكنها ان تقود الحوار مع النظام، من جهة أخرى… لذلك هناك خطر جدي يتربص بمستقبل الحليفة بفعل تآكل شرعية النظام لدى الشعب و هو ما سيقود حتما لانهيار بطيء من الداخل.
حملة الاعتقالات التي يديرها “القايد صالح”، و التي طالت لأول مرة في تاريخ الجزائر وزيرين أولين سابقين (“احمد اويحيى” و “عبدالمالك سلال”)، لم تكن استجابة لمطلب الشارع الجزائري، بقدر ماهي تصفية حسابات و طموحات شخصية لقائد الجيش، في اطار ما يعرف سياسيا بمرحلة “اكل أبناء النظام”، ذلك أن لكل نظام أبناء يضحي بهم عند الحاجة لأنهم وقوده الذي يحترق لدفعه إلى الاستمرار في الحكم.
ما يهمني من التطرق الى موضوع اعتقال الوزرين الأولين السابقين، هو ان الرجلين كانت لهما مواقف شجاعة داعمة لقيادتنا الصحراوية في ظروف سياسية جد حساسة، و يكفي التذكير بأن الأخ “ابراهيم غالي”، مباشرة بعد تنصيبه امينا عاما جديدا للجبهة الشعبية لتحرير الساقية الحمراء و وادي الذهب، ، حظي يوم 13 يوليوز 2016، باستقبال من طرف “عبد المالك سلال”، حيث جدد له هذا الاخير التزام الجزائر بالدفاع عن الشعب الصحراوي و حقه في ممارسة تقرير المصير، و هو الاستقبال الذي بدد الكثير من المخاوف و الهواجس بخصوص مستقبل التنظيم السياسي و علاقته بالحليفة ،بعد رحيل “محمد عبدالعزيز”.
كما ان”أحمد أويحيى” – هو الآخر- سارع الى استقبال الأخ “ابراهيم غالي”، يوم 07 نونبر 2017، كرد فعل على خطاب ملك المغرب الذي قال فيه: “لا يوجد حل لقضية الصحراء خارج سيادة المغرب سوى الحكم الذاتي”، و هو الاستقبال الذي صب الزيت على النار الدبلوماسية بين المحتل و الحليفة، لذلك تجد القيادة الصحراوية نفسها اليوم في موقف لا تحسد عليه ؛ منقسمة بين واجب إبداء التضامن مع الشخصيات الجزائرية التي طالتها حملة الاعتقالات كنوع من العرفان و رد الجميل لمواقفهم السابقة، و بين الاصغاء لصوت العقل لتفادي الصدام مع قصر المرادية و رجالاته الحاليين.
فالخيارات المتاحة للقيادة الصحراوية في الظروف الراهنة لا تتجاوز ثلاثة، كل واحد منها أمر من الآخر؛ فإما الاستمرار في لعب دور الحياد و الابتعاد بنفس المسافة عن كل اطراف الأزمة الجزائرية الحالية و انتظار ما ستسفر عنه الايام و الشهور القادمة للتحرك على ضوءها، مع الأخذ بعين الاعتبار ان الوقت ليس في صالحها و أن اي تحرك مستقبلي بعد النفراج الأزمة ستفوح منه رائحة الانتهازية، كما أن التحرك بعد فترة حياد سيكون شبه مستحيل في حال ما تغير المشهد السياسي الداخلي للحليفة لصالح قوى لا تؤمن بمبدا الفاع عن تقرير المصير و القضية الصحراوية خصوصا و تعتبرها خطأ استراتيجيا كلف ميزانية البلاد مالا كثيرا كان يمكن استثماره في تنمية البلاد.
و اما الخيارين المتبقيين هما : إما المغامرة بالاصطفاف مع مواقف “القايد صالح”، الرجل القوي الحالي بالجزائر، و تحمل غضب الشارع الجزائري الذي قد يطالب نظامه بالتخلي عن القضية الصحراوية كمدخل لأي توافق من اجل انهاء الأزمة، وإما التضامن مع المحتجين و في هذه الحالة ستكون القيادة قد حكمت على نفسها بالاعدام لأنها ستجد نفسها في مواجهة مباشرة مع المؤسسة العسكرية الجزائرية التي تعرف عن تنظيمنا السياسي أكثر مما يعرفه بعض قادتنا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك