بـقـلـم : بن بطوش
خلال الزيارة غير المتوقعة لمصر…، حين حطت طائرة ملك المغرب، الذي كان برفقته رئيس الإمارات، في قاهرة المُعِز، أواخر شهر نوفمبر من سنة 2025، كتبت الصحف المصرية أنها زيارة أخوة و صداقة…، فيما وصفتها الصحافة الفرنسية و الإسبانية بأنها “زيارة لغز”، حينها لم نتطرق على موقعنا لتلك الزيارة بسبب شح المصادر و غياب أي تفاصيل و تكتم العاصمتين عن الخبر، و أن كل ما نشر كان محض تسريب محدود المعطيات…، لكن و بعد إعلان النظام الإثيوبي – هذا الأسبوع- عن تفعيل اتفاق الدفاع المشترك مع الرباط، خرجت الفتوى التي تفسر جانبا من زيارة ملك المغرب إلى مصر، بأنها كانت زيارة لطمأنة النظام المصري كون الاتفاقات الدفاعية للرباط مع إثيوبيا، غير موجهة ضد المصالح المصرية، و أن الرباط لن تشارك في أي عمل سياسي أو عسكري عدائي ضد الدولة و الشعب و المصالح المصرية.
النظام المغربي أبلغ نظيره المصري بأن تفعيل الإتفاق الذي كان قد تم توفيعه بين الجيشين المغربي و الإثيوبي، شهر يونيو 2025، لا يعني حصول الرباط على قواعد عسكرية بالمنطقة التي تعتبر امتدادا جيواستراتيجي لمصر، و لا يضم أي انتشار عسكري للجيش المغربي في إثيوبيا، و حتى الجيش الإثيوبي لن يكون له أي تواجد في الصحراء الغربية أو على الحدود مع الجزائر…، و لكنه اتفاق من نوع خاص؛ سيمكن إثيوبيا من الحصول على خبرات دفاعية مغربية ستعينها على منع بلقنة أراضيها بمنطقة تيغراي، و سيمنح الجيش الإثيوبي فرصة للتكوين على يد خبراء عسكريين مغاربة و أمريكيين متخصصين في الحروب بالمناطق الوعرة ذات التضاريس المعقدة.
بالمقابل، هدف المغرب لم يكن هو البحث عن تواجد عسكري لجيش أجنبي فوق أراضيه، و لكنه فقط يصنع في الظرفية الحالية تحالفات قد توفر له في المستقل دعما عسكريا يحقق التوازن الذي سنشرحه في القادم من هذا المقال…، خصوصا و أن الرباط مقبلة على مغامرة سياسية قد تكون لها تبعات عسكرية في ملف سبتة و مليلية، بعدما تحصلت الرباط على وعود من واشنطن بفتح الملف في كل الهيئات الدولية ثم تحويله إلى ملف لتصفية الاستعمار و استرداد الحقوق، سواء داخل مجلس الأمن أو بمجلس السلام، كما صرح الرئيس الأمريكي بأن أي دولة تحصلت على حقوق او اراضي ليست لها، وجب عليها إرجاعها لأصحابها… !!، و الرباط ترى في حقبة الرئيس الأمريكي الحالي فرصة ذهبية لجعل إسبانيا تخضع و تسلم الثغرين إلى الرباط.
نبدأ الآن في الربط بين ما يعقده المحتل المغربي من تحالفات عسكرية، و خطة “ترامب” لإقبار مجلس الأمن الحالي و تعويضه بمجلس للسلام الجديد، و هي الخطة التي ترى فيها الرباط مشروعا طموحا جدا يخدم أهدافها، لهذا رد النظام المخزني على دعوة الرئيس الأمريكي بالإيجاب و قبل العرض، و ظهر وزير الخارجية المغربي إلى جانب الرئيس الأمريكي و هو يوقع على الميثاق التأسيسي للمجلس، في مشهد سيجعل الحسابات الجيو-سياسية في منطقة البحر الأبيض المتوسط، تتغير و تنقلب رأسا على عقب لصالح الرباط بشكل مطلق.
و حتى تتضح الصورة أمامك أيها القارئ الكريم، فإن الدعوة الأمريكية للرباط من أجل المشاركة في التأسيس سبقتها مشاورات دامت لأسابيع…، وضعت فيها الرباط شروطا تحمي أهدافها و مكتسباتها و مصالحها – حسب ما جاء جريدة “الدايلي ميل” البريطانية- و التي قالت بأن الدول التي قبلت المشاركة في تأسيس هذا المجلس، كانت لها شروط واضحة تحفظ لها مصالحها، و الدليل على صحة ما جاء في الـجريدة البريطانية، هو توالي اللقاءات التي لم تنقطع بين القيادات في أمريكا و الرباط، و ظهور وفود دبلوماسية و عسكرية و سياسية في العاصمة المغربية طيلة الشهر الحالي، و أن ما حجب تسرب أخبار تلك اللقاءات كان الحفل الكروي الإفريقي الذي سرق الأضواء من السياسيين.
ما يفعله الرئيس الأمريكي، يدفعنا مضطرين لفتح قوس نقاش عما قاله الرئيس الجزائري من منصة الجمعية العامة للأمم المتحدة، قبيل تسلم الجزائر عضويتها غير الدائمة بمجلس الأمن، حينما قال أن الجزائر ستكون مهمتها هي إصلاح الأمم المتحدة و تعديل مسار عمل مجلس الأمن…. لكن الجزائر بعدها اكتشفت أن الفارق بين النوايا و الواقع هو نفسه الموجود بين السماء و الأرض، و أن إصلاح الهيئة الأممية و مجلس الأمن مستحيل في ظل عدم توفر القوة القاهرة التي ترغم العالم على الإنصات و الإذعان.
لكن “دونالد ترامب” توفرت له تلك الشروط، و هو الآن – دون صخب و من غير خطابات شعبوية عن الإصلاح- جمع العالم و أطلق “مجلس السلام” ليكون بديلا لمجلس الأمن، في تكرار للتاريخ حين تم إنشاء منظمة الأمم المتحدة سنة 1945 التي عوضت “عصبة الأمم” بعد فشلها في منع وقوع الحرب العالمية الثانية،… لكن السؤال الذي لن نجيب عنه حاليا، لأننا نعتقد بأن الجواب هو من اختصاص حصري لقصر المرادية، هو: لماذا لم توجه واشنطن دعوة إلى الرئيس الجزائري للمشاركة في هذا الحدث التاريخي، مع العلم أن الجزائر أحد دعاة إصلاح مجلس الأمن… !!؟
اليوم ستكون الرباط على موعد مع التاريخ، بعد أن حاولت بكل قوة الحصول على العضوية الدائمة في مجلس الأمن كممثل عن إفريقيا و الشرق الأوسط…، لكن أمريكا أرادت لها مخططا آخر أكثر فعالية، و هنا قيمة التحالفات التي يعقدها المحتل المغربي بعقلانية و براغماتية شديدة الدهاء، لأنه سيحصل على صفة عضو مؤسس في مجلس السلام، و هذا سيخوِّل له صلاحيات واسعة، لن تحصل عليها فرنسا التي دخلت مرحلة الشك في العلاقات مع أمريكا، و لن تتوفر عليها إسبانيا التي لم توجه لها واشنطن الدعوة، كما ستحرم الجزائر من تلك الامتيازات السياسية؛ لأن واشنطن لربما – و هذا رأي خاص يتقاسمه معي الكثير من المتابعين و ليس حكما – ترى في الجزائر عدوا و خصما يمارس التقية في علاقاتها مع البيت الأبيض.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك