هل نجح النظام الجزائري في اختراق تحالف دول الساحل؟ أم أنه فقط يُغطي بزيارة رئيس النيجر على إخفاقه في ليبيا؟
بـقـلـم : بن بطوش
وسط هذا الكم المهول من الأخبار المتداخلة و المتراكبة، حيث تبتلع الأحداث بعضها، لايمكننا أن نقرأ و نحلل حدثا معينا إلا بربطه بأحداث أخرى؛ مثلما ابتلعت فضيحة “جيفري إبستين” أخبار مصير الرئيس الفنزويلي “مادورو” الذي اعتقلته القوات الأمريكية في غرفة نومه، و مثلما غطت زيارة رئيس النيجير على إخفاق الدولة الصحراوية في مجلس السلم و الأمن الإفريقيين و كذا طردها من الاجتماع الإفريقي – الايطالي و فرضت علينا عدم التساؤل عن السبب الذي جعل قصر المرادية لا يصدر بيانا ضد زيارة وزير خارجية دولة البحريين “عبد اللطيف بن راشد الزياني” و عقده لقمة مع وزير الخارجية المغربي “ناصر بوريطة” في العيون المحتلة… !!
لكن الحدث الأكثر غرابة و الأكثر إثارة للريبة، هو أن تحظى زيارة الرئيس الأمريكي إلى مدينة مراكش من أجل المشاركة في حفل زفاف أحد أقرباءه بزخم إعلامي دولي كبير جدا، بينما تتجاهل كبريات القنوات الإعلامية في كل أنحار المعمور الوثيقة التي سربتها وكالة بلومبيرغ و التي تعود لـ “كيريل ديميتريف”، رئيس الصندوق السيادي الاستثماري الروسي، و المبعوث السري للرئيس “بوتين” الذي يهمس في أذن الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” دون وساطات.
الوثيقة تقول بأن الرئيس “بوتين” عرض على الرئيس “ترامب” استثمارات مباشرة تضخها موسكو في الاقتصاد الأمريكي بقيمة 12 تريليون دولار… !!، مع منح الشركات الأمريكية امتيازات و تفضيلات للاستثمار داخل روسيا تشبه تلك التي تمنح للشركات السيادية الروسية، كما ستسمح موسكو للمستثمرين الأمريكيين بتسويق الدولار داخل الاقتصاد الروسي كعملة أولى…، مع العلم أن الناتج القومي الروسي لا يتعدى الاثنين تريليون دولار، مما يعني أن روسيا ستتدبر المبلغ من ثرواتها و صناديقها السيادية و رجال الأعمال و القروض…، و هذا يعني أن روسيا ستدعم الدولار و لن تحاربه، و ستقف إلى جانب أمريكا في حربها الاقتصادية الشرسة ضد الصين، لكن هذا مقابل أن يرفع “ترامب” يده عن أوروبا… !!
كما سرب الإعلام الروسي أن موسكو ستدعم جميع مشاريع واشنطن للسلام، مع العلم أن الجميع يعلم أن الرئيس الأمريكي يعالج ملف الصحراء الغربية بشكل شخصي لزيادة حظوظه في الحصول على جائزة نوبل للسلام . … لذلك يصعب فهم منطق السياسة و السياسيين؛ لأن العالم حاليا يعجز عن إصدار حكم على الوثيقة المسربة إن هي خيانة روسية للبريكس أو للصين؟ أم هو منطق المصالح؟ أم الأمر مرتبط برغبة “ترامب” في تركيع أوروبا و إعادتها إلى حجمها الذي كانت عليه قبل مشروع مرشال… ؟!!، لكن الشيء الذي يثق فيه الجميع كون واشنطن و موسكو، لهما الهيمنة و القدرة و الإمكانيات لإنجاح أي تحول إستراتيجي بمرونة عالية…
و هذه المرونة هي الشيء غير المتاح للدول التي تتحرك دون نضج أو تخطيط استراتيجي، مثلما يفعل النظام الجزائري، الذي أراد كسر منطق العداوة الدائمة و اختراق تحالف دول الساحل بعد أن شعر متأخرا بعزلة مزمنة، لأن قصر المرادية كان يراهن على “سيف الإسلام القذافي” في ليبيا لأجل إنشاء طوق تونسي – ليبي – جزائري يبني به قصر المرادية نواة إتحاد، يكون ذرعه في مواجهة الرباط و مدريد و باريس و دول الطوق الصحراوي.
ناقوس الخطر بالنسبة للحليف الجزائري دق عندما عجز عن ضمان النصاب لقيادتنا الصحراوية، في سباق عضوية مجلس السلم و الأمن داخل الإتحاد الإفريقي لفترة 2026 – 2028، بعدما اكتشف قصر المرادية أن إفريقيا لم تعد تنصت لبلد المليون و نصف شهيد، و أن تأثيرات الخلاف بين الجزائر و دول الساحل وصل إلى العمق الإفريقي، فاضطرت بذلك قيادتنا الصحراوية للانسحاب من السباق على مقعد شمال إفريقيا، و وجهت مذكرة إلى رئاسة مجلس السلم و الأمن بتاريخ 09 فبراير 2026، تبلغ عبرها أن الدولة الصحراوية تنسحب من المنافسة على الكرسي لصالح ليبيا، لكن ليبيا خسرت الانتخابات ضد الرباط التي حسمتها بـ 34 صوتا مقابل 12، بمعنى أن الأصوات التي تنازلت عنها قيادتنا الصحراوية و الحليف إلى جانب الأصوات التي تمكنت من جمعها الدبلوماسية الليبية بالكاد وصلت إلى 12 صوتا.
هذه الخسارة المرعبة تؤكد تراجع نفوذ قيادتنا داخل الإتحاد الإفريقي و الذي هو في الأصل تراجع للنفوذ الجزائري، لأن ثلاثة دول هم ليبيا و الجزائر و الدولة الصحراوية بالكاد حصلوا على 12 صوتا فيما حصدت الرباط 34 صوت، مما يعني أن الدبلوماسية الجزائرية تحتضر، و هذا ما جعل قصر المرادية يتحرك على عجل و يرسل دعوة إلى رئيس النيجير بصيغة الاعتذار يطلب فيها بنسيان خلافات الماضي القريب، و زيارة الجزائر من أجل التأسيس لحقبة جديدة بشراكات أقوى… و في هذا السلوك ذكاء جزائري، الهدف منه اختراق تحالف دول الساحل، و الاعتماد على وساطة النيجر لتلطيف الأجواء مع مالي و بوركينافاسو من أجل فك الحصار على النظام الجزائري الذي بدا واقعا في انتخابات مجلس السلم و الأمن، ليبقى السؤال عن تكاليف هذا التقارب بالنسبة للجزائر، خصوصا و أن رئيس النيجر اجتمع بقادة دول الساحل قبل نزوله بمطار الجزائر الدولي.
الكلفة يبدو أنها ستكون مرهقة للخزينة الجزائرية التي تعاني من ضعف مزمن في السيولة، بينما النيجر مصرة على الدفع بالنظام الجزائري للوفاء بوعوده القديمة كعربون حسن نية قبل اي ترميم حذر للعلاقات، حيث أعلن الرئيسان عن جملة من المشاريع، كان أبرزها إعلان الرئيس “عبد المجيد تبون” توجيه أوامره إلى شركة سونطراك لبدأ مد خط الأنابيب داخل تراب النيجر، دون أن يشرح إذا ما كان الأمر تعلق بمشروع الغاز العابر للصحراء أبوجا – وهران، و المنافس لمشروع أبوجا – الرباط؟ أم هو مجرد ربط لحقول النيجر بأنابيب التصدير الجزائرية، لأن المشروع العابر للصحراء و الذي سيمر عبر النيجر، يحتاج إلى استثمارات عينية – مباشرة تصل إلى 20 مليار دولار، و هو رقم لو توفر في الخزينة الجزائرية لمكّن النظام الجزائري من شراء عقود شركة طوطال إنيرجي/فرع الجزائر و تجنب الكارثة التي تحضر في الخفاء في حال فشلت زيارة وزير داخلية فرنسا إلى قصر المرادية.
فأولوية الأولوليات للنظام الجزائري اليوم -حسب الإعلام الجزائري- هو إنقاذ الجزائر و ثرواتها من المخططات الإماراتية، و إذا ما كان الربط الذي تحدث عنه الرئيس الجزائري هو فقط بين حقول النيجر المستكشفة حديثا و الشبكة الغازية التابعة لسونطراك، فان الكلفة ستبلغ حسب الخبراء حوالي 9 مليارات من الدولارات، و هو أيضا رقم يصعب توفيره من طرف الخزينة الجزائرية، لأن الرئيس الجزائري بالكاد أعلن في اللقاء الصحفي الأخير بتاريخ 7 فبراير 2026 أن الجزائر ستستدين 3 ملايير دولار لإكمال مشروع الربط السككي لغار الجبيلات بميناء التصدير.
قد ينجح التحول الإستراتيجي في العلاقات بين روسيا و أمريكا، لأن البنية الاقتصادية للدولتين تسمح بتحمل الكلفة، لكن في حالة الحليف الجزائري مع دولة النيجر سيكون من الصعب إنجاح هذا التحول، خصوصا و أن العرض الجزائري يبدو غير عقلاني إلى حد ما، غير أن قصر المرادية في حال لم يتدارك الأمر و يحقق للنيجر ما وعد به، فسيكون أمام واقع مختلف و سيزيد مشاعر العداء السياسي و الدبلوماسي و الاقتصادي ضد النظام الجزائري، مع توفر دول الساحل على “مبادرة الأطلسي” كبديل جاهز و عملي، و هذا سينعكس على وضع القضية الصحراوية داخل دهاليز الإتحاد الإفريقي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك