في إحدى أيام شهر يناير من سنة 2009 بمنطقة “لفرينينا”، على بعد بضع كيلومترات شرق مدينة السمارة المحتلة، وبحضور حشد كبير وفي غفلة من سلطات الاحتلال المغربي، الكل كان مزهوا ومتحمسا حتى الثمالة على نغمات النشيد الوطني وتحية العلم الصحراوي و الأزياء العسكرية للجيش الشعبي الصحراوي التي ارتداها بعض الشباب.
ومما زاد من الحماسة حرارة الأجواء المشمسة وحرارة اللقاء بأبطال وصفوا حينها بأسود الانتفاضة بالسمارة، إذ كان الأمر كان يتعلق باستقبال كبير بمناسبة إطلاق سراح كل من “عبد السلام قاسم ديدا” و “محمد سالم محمد يسلم بهاها” و “محمد مولود الحجّاج” (الملقب بـ “بابو”)، بعد أن قضوا ثلاث سنوات خلف القضبان على خلفية مواقفهم السياسية وبعد أن قارعوا كالأبطال قوات الاحتلال المغربي….الكل هلّل للحدث وتسابق خلاله “النعمة أسفاري” و “إبرهيم الصبّار” و”أحمد السباعي”وغيرهم للحضور لهذه المدينة الأبية ليتناوبوا على الكلمة، ممجدين ومهللين ومفتخرين بالأبطال الثلاثة، قبل أن ينصرف كل لحاله سبيله ويتسلم كل واحد من المفرج عنهم مبلغ 2000 درهم مغربي كهدية أرسلها لهم غراب كناريا “عمر بولسان”.
الثلاثة المفرج عنهم كانوا يومها عرسان فوق العادة، في قمة الفخر والشعور بالبطولة منتشين بزغاريد “الطافيلات”، فرحين باللقاء وبنسائم الحرية تلامس وجوههم، لدرجة أن جو الاحتفال أنساهم قساوة الاعتقال و عفونة و اكتضاض المساجين بـ”لحبس لكحل”، غير آبهين بما يختزنه لهم المستقبل في الزمن الغادر و غير مدركين بأن كل هذا الاحتفال و الثناء المعنوي، ما هو إلا سحابة صيف عابرة سرعان ما تنساهم القيادةالصحراوية و تهمّشهم .
للأسف، هذطا ما حدث فبعد مرور شهور قليلة، تحولت كل مشاعر الفخر والاعتزاز التي كان يحس بها الثلاثة إلى مشاعر الإحباط والمهانة والذل والتهميش، ممزوجة بإحساس مر بالندم والحسرة على سنوات العمر التي تم تبديدها خلف قضبان السجن، سنوات من المعاناة والحرمان من الحرية بلا نتيجة، بعد أن تنكر لهم الجميع بما فيهم القيادة الوطنية، بإيعاز من غراب كناريا، التي لم تعرهم أي اهتمام بعد ذلك ولو من باب السؤال عنهم و عن أحوالهم كنوع من الدعم المعنوي.
العوز والحاجة والإقصاء إلى درجة التسول من الأقارب و المعارف، كان مصير الأبطال الثلاثة الذين ارتموا في أحضان الانحراف و إدمان المخدرات وماء الحياة؛ مما جعل “محمد سالم يسلم بهاها”، يفر منذ حوالي أربع سنوات في اتجاه مخيمات اللاجئين الصحراويين بعد تورطه في قضايا تتعلق بالسرقة والسكر وغيرها، في حين ظل “عبد السلام ديدا” رهين المعاناة والإحباط، فيما فضل رفيقه”محمد مولود الحجّاج” الارتماء في أحضان سلطات الاحتلال المغربي حيث اشتغل كسائق بالعمالة، فتحسن وضعه الاجتماعي و تمكن من الزواج و إعالة أسرته.
وبعد مرور حوالي خمس سنوات و نصف على ملحمة “لفرينينا” و في صبيحة يوم بارد من الشهر الحالي (دجنبر 2014)، تم إلقاء القبض على “عبد السلام ديدا” رفقة ستة شبان صحراويين آخرين على مقربة من جدار الذل و العار للاحتلال المغربي و هم يشاركون في عملية لتهريب الحشيش المغربي في اتجاه المخيمات. وهو الآن يقبع بالسجن بعد أن حكم عليه بعشرة أشهر سجنا بتهمة المشاركة في الاتجار الدولي للمخدرات….و رغم محاولته تسييس قضيته عبر ترديد بعض الشعارات الثورية خلال محاكمته، إلا أنه لا أحد أكثرت لشعاراته ، لأن ثوب القضية الصحراوية ليس في حاجة إلى بقعة زيت أخرى في الظرفية الراهنة.
واليوم نقول أن أسد الانتفاضة بالأمس”عبد السلام ديدا” بريء براءة الذئب من دم يوسف من الناحية الرمزية، لأن المتهم الحقيقي المسؤول عن الوضع الكارثي لكثير من أمثال “ديدا”، هم الساهرون على شؤون الانتفاضة بالمناطق المحتلة الذين لا هم لهم سوى خدمة مآربهم الخاصة و لأجل ذلك يمعنون في سياسة الإقصاء والتهميش في حق المناضلين الشرفاء والمعتقلين السياسيين السابقين الذين ضحوا بحريتهم وبقسط كبير من شبابهم في سبيل نصرة القضية الوطنية، قبل أن يجدوا أنفسهم منبوذين و متخلى عنهم بمجرد خروجهم من السجون، في أبشع صور التنكر و الإقصاء و التهميش و الذل والمهانة.
أمثال “عبد السلام ديدا” و “محمد سالم بهاها” وغيرهم كثر بكل مدن الصحراء الغربية يكابدون يوميا المعاناة والإقصاء ويجدون في المخدرات وماء الحياة وحبوب الهلوسة ملاذا لنسيان واقعهم المرير، بل منهم من يرضى لنفسه أن يمتهن حرفة “حمّال” في عمليات تهريب الحشيش في سبيل أن يجد بعض المال ليسد به حاجياته.
عن “كتائب سيدي أحمد حنيني”
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
[email protected]