بـقـلـم حـسـام الـصـحـراء
بي رغبة عظيمة في أن أجرب مزحة قام بها الكاتب الأمريكي الساخر “مارك توين” عندما راسل عشرة شخصيات أمريكية يخبرهم قائلا: “اهرب.. لقد إكتشفوا أمرنا”… و في الصباح كانوا كلهم قد غادروا أمريكا… لربما أنجح بهذه المزحة الثقيلة في تخليص القضية الصحراوية من عجرفة قادتنا و خيانتهم، و لكي أفضحهم أمام الشعب الصحراوي بعدما أثقلوا مسامعنا بالانتصارات التي كان آخرها ما تصدقت به المحكمة الأوروبية في قضية تجديد اتفاقيات الصيد و الفلاحة مع المحتل المغربي، حينها أفهمتنا قيادتنا عبر إعلامها العجيب بأن الإتحاد الأوروبي سيسابق الزمن و يحشد دوله و صحافته و موثقيه و مفاوضيه و يدخلون علينا من أبواب المخيمات المتفرقة راغبين في أن نوقع معهم الاتفاقيات و أن نغفر لهم ما فعلوه بثرواتنا طيلة كل هذه السنوات.. و عندها سنغرق في النعيم.
إذ لم يمر على نشوة قرار محكمة العدل الأوروبية أقل من شهر حتى طالبت المفوضية الأوروبية من الإتحاد الأوروبي البدء في مفاوضة المغرب لتجديد تلك اتفاقيات، و ركزت في طلبها على أن يشمل التفاوض اراضي و مياه الصحراء الغربية ، في كل القطاعات.. الصيد و الفلاحة و التجارة و أشياء أخرى، لذلك و أمام هذه المستجدات الأوروبية أدعو القيادة الصحراوية لتفسير الأمر لنا كشعب صحراوي تعطلت بوصلته، و تشرح جدوى القرار القضائي الأوروبي الذي كلف القضية الصحراوية تجييش هيئة من المحامين الذين نهبوا جزءا مهما من أموال اللاجئين الصحراويين دون رحمة، فيما العدو لم يكلف نفسه غير الاستئناف كي يشغلنا بحرب هامشية لا تغير شيئا من واقع الاتفاقيات التي تعود سلطتها للمفوضية الأوروبية.
هذه المفوضية التي يجب أن نفهم دورها أولا قبل أن نحكم على قراراتها التي قفزت على حكم المحكمة الأوروبية و تجاهلت كل الشهور التي قضتها القيادة بين أروقتها تستجدي كي تحصل على قرار قضائي يعيد لنا بعض الأمل و الهيبة، ذلك أن المفوضية تعتبر قلب الإتحاد الأوروبي و سلطته التنفيذية، و أن حكم المحكمة بالنسبة إليها مجرد رأي استشاري غير ملزم، و في حالتنا لم يصل رأي المحكمة في قضية الثروات المنهوبة من الأراضي المحتلة مرحلة القابلية للتطبيق لأنه – حسب رأي المفوضية – أضر بمصالح دول أوروبية كإسبانيا و فرنسا و ألمانيا.. و هي الدول التي تمتلك النفوذ و الرأي القوي داخل مجالس الإتحاد.
بعد هذا الشرح البسيط نمر إلى النقاط الأكثر جدلا في العلاقات الأوروبية-الأوروبية و الأوروبية-المغربية، ثم الأوروبية-الصحراوية، و التي نحتاج المرور عبرها كي نفهم عبر ترتيب المصالح كي أخد القرارات الكبرى داخل الإتحاد و كيف ترسم السياسة الإستراتيجية لأوروبا و التي لا يمكن أن تكون فيها محاباة لدولة معينة أو تنظيم معين أو هيئة معينة بل تبنى تلك القرارات على أمنها القومي أولا الذي ينطلق من الاقتصاد و يصل إلى المواقف الدبلوماسية و السياسية المتشعبة، أي أن بروكسيل يمكنها أن تغير قوانين و شكل الشراكات و وضعية الإتحاد الأوروبي كي تضمن أمنها القومي إن تطلب الأمر.
هنا نقف وجها لوجه مع الواقع الذي يخبرنا بأن فوق تراب دول أوروبا تموج أكثر من عشرين مليون عربي، خمسهم يعبرون حدودها في كل يوم مستعينين بنظام “شينغن”، و أن سفارة العدو المغربي هي السفارة العربية الوحيدة التي تؤطر هذه الجاليات بشكل غريب، و تستعين في ذلك بسلطة المساجد الروحية بعدما انتهى صراع السيطرة عليها مع الجزائر لصالح الرباط التي تسوق لإسلام حداثي ومعتدل و منفتح، و حتى تضمن أوروبا أمنها القومي لن تقبل أبدا بأن يفسد قرار المحكمة الأوروبية الود القائم بين الرباط و بروكسيل، و بناءا على هذه المعطيات فإن قرار المحكمة صدر كي يمنحنا نصرا معنويا لا أكثر خصوصا و انه صدر في يوم احتفالنا بقيام جمهوريتنا.. هنا ينتهي حلمنا كشعب صحراوي و نعود إلى نقطة البداية.. بسلطة الواقع.
.. و كأن الأحداث تفسر السياسات أو ربما السياسة أصبحت فقه الواقع، لأن مباشرة بعد قرار المفوضية حدث احتجاز إرهابي جنوب دولة فرنسا، و هو المعطى الذي يزيد في رجحان كفة المحتل المغربي داخل الإتحاد الأوروبي بعد أن أظهر الإتحاد عجزا كبيرا في مواجهة التنظيمات المتطرفة الناشطة فوق الأراضي الأوروبية، إذ يضعف الوضع موقف أوروبا في التفاوض مع العدو.
و نزف في ختام هذا المقال إلى علم قيادتنا أن النظام الأمريكي يستعد للمصادقة على خطة التنمية التي أعدها المحتل المغربي بالمناطق المحتلة و من المنتظر أن يدعمها بميزانية تقول الأخبار المسربة بأنها كبيرة و تتجاوز الرقم الذي كان في عهد “أوباما”، هذا الخبر نعلنه ليعلم الجميع بأن ما أنفق على اللوبيات كي تخدم قضيتنا كان مجرد تبذير لمقدرات الشعب الصحراوي، و لو أنه أنفق على تأهيل الإنسان الصحراوي لكانت النتائج أفضل من هذا بكثير.
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك