بقلم: الغضنفر
كما سبقت الإشارة إلى ذلك في مقالاتنا السابقة، فإن اعتقال الجنرالين السابقين، “محمد مدين عليا”، الملقب بـ”توفيق”، و “البشير طرطاق” الذي يسمى كذلك بـ “البشير الصحراوي”، و معهما “السعيد بوتفليقة”، لا تعدو كونها مسرحية لتهدئة الشارع الجزائري و دفعه الى تخفيض منسوب الحراك، ذلك أن الجنرالين المذكورين بحكم المناصب التي شغلوها مطلعين على أسرار جد خطيرة كفيلة-في حال فضحها- بتدمير أركان النظام الجزائري.
فالجنرال “البشير طرطاق” هو الوحش الذي لم تجف يداه من دماء الجزائريين، ومن أبرز جرائمه : إلغاء انتخابات 26 ديسمبر1991، تدبير انقلاب 11 يناير1992، اعتقال آلاف الجزائريين و الزج بهم في معتقلات سرية بالصحراء قريبا من حقول التجارب النووية الفرنسية، اغتيال الرئيس الجزائري “بوضياف”، سيطرته على المحاكم الخاصة و ما أصدرته من آلاف الأحكام التعسفية، عمليات الاغتيالات و التصفية الجسدية و الإعدام، آلاف المفقودين المختطفين على يد الأجهزة الأمنية، اشرافه الشخصي على عمليات التعذيب الممنهج حيث كان يستعمل المثقاب الكهربائي لتعذيب ضحاياه، المجازر خلال العشرية السوداء، اغتيال الصحفيين و الفنانين و الشخصيات بما فيها “معطوب الوناس” و “عبد القادر حشاني” و”عبد الباقي صحراوي” … وغيرها من الجرائم التي لا تكاد تُحصر.
باختصار الجنرال “البشير طرطاق” الذي كان يشغل منصب الرجل الثاني في جهاز المخابرات المكلف بالأمن الداخلي، و الذي تم تعيينه سنة 2015 مستشارا برئاسة الجمهورية، يعد رمزا كبيرا للاستئصال بأخبث الطرق والوسائل، حيث عرف عنه قتل الآلاف من المواطنين الجزائريين بدعوى مكافحة الإرهاب، ناهيك عن جرائم الاختلاس والنهب والمؤامرات الدنيئة كعملية “إن أميناس” وغيرها.
الجنرال “محمد مدين عليا” – أو”توفيق”- هو الآخر لا يقل دموية عن “طرطاق”، فإبان ترأسه لجهاز المخابرات الجزائرية DRS، لم تكن علاقته ودية مع نائبه “طرطاق”، على اعتبار أن إحالة هذا الأخير على التقاعد سنة 2014 كان بإيعاز منه، لكون “طرطاق” يتوفر على نفوذ قوي داخل الجهاز وأصبح ينافسه على السلطة.
و إذا كان الجنرال “توفيق” معتقلا اليوم، فإن النظام الجزائري سبق له و أن ضحى بجنرالين اثنين من أجل تخليص رقبة هذا الأخير و دفن ملفات العشرية السوداء معهما، و يتعلق بالجنرالين “محمد العماري” و”اسماعيل العماري” اللذان تم قتلهما بالسم؛ الأول كان رئيس الأركان بالجيش الجزائري إلى حدود سنة 2004 ومايسترو وحوش المجازر من الجيش والمخابرات، والثاني كان نائب رئيس جهاز المخابرات الجزائرية DRS خلال العشرية السوداء ومحرك دمى الجماعة الإسلامية المسلحةGIA ومفاوضها في دوره بالعرض المسرحي لنكتة “بوتفليقة” الشهيرة “قانون المصالحة الوطنية”، التي هدفت إلى دفن جرائم النظام الجزائري خلال العشرية السوداء.
“أحمد شوشان” النقيب السابق في القوات الخاصة للجيش الجزائري، كشف ملابسات التخلص من هذين الجنرالين، اللذان كانا عرابين لمأساة العشرية السوداء في الجزائر، حيث قال بأن “اسماعيل لعماري” هو الحلقة الوحيدة التي تربط بين الجنرال “توفيق”، بمنفذي الجرائم التي ارتكبها جهاز المخابرات وأعوانه من جنرالات الجيش، و بتصفيته كنائب لـ”توفيق” في التخطيط والإشراف على تلك المهام القذرة، وتصفية “محمد العماري”، كقائد للجنرالات المتورطين في قضية “تبحيرين” وغيرها، و المسؤول عمليا على “اسماعيل لعماري”، لم يعد ممكنا إثبات أي تهمة على الجنرال “توفيق” أمام المحاكم الدولية، لأن خيطها سينقطع عند القتيلين، ولا مجال حسب ظنه لوصله ب”توفيق”.
ويقول “أحمد شوشان” في مذكراته :“أنا أقوم بما يقتضيه الواجب لبراءة ذمتي، ولست اطلب من احد شيئا مقابل ذلك فمن صدقني فقد عرف حقيقة لا شك فيها، ومن كذبني اليوم فسيصدقني رغم انفه. فأنا أتابع الوضع من موقع الحدث، وما أصرح به هو ما يحصل في المكان و الزمان المحددين من طرف سلطة تتحرك خارج الإطار القانوني ولا تترك أي أثر لجرائمها. و لكنني أتمنى أن تجرؤ هذه السلطة على تكذيب ما أصرح به بصفة رسمية، و تقول مثلا أن الجنرال”اسماعيل لعماري” لم يمت مقتولا، بعد أن خرج من غرفة علاج محددة في مستشفى “عين النعجة”، وأن الفريق “محمد لعماري” لم يمت مقتولا بعد تلقيه العلاج في نفس الغرفة ومن طرف نفس الشخص….تفضلوا قوموا بتشريح لجثتي “العماري محمد” و “اسماعيل لعماري” و بينوا بأنهما لم يموتا بنفس الطريقة ونفس التسمم”.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك