بـقـلـم : حـسام الـصـحـراء
من غرائب و عجائب التسارع الأخير في الأحداث بالشرق الأوسط، ما وقع لدولة إيران التي أعلنت في البداية بأن الطائرة الأوكرانية انفجرت في السماء نتيجة سرعتها المفرطة في الإقلاع، و هو التفسير الذي ردت عليه شركة “بوينغ” بأنه مستحيل في ميكانيكا الفضاء أن ينفجر محرك دفع نفاث نتيجة عمله أثناء الإقلاع، و أنه صمم ليستطيع تحمل ظروف الإقلاع بكل أنواعها، و أنه مبرمج لئلا يتعدى السرعة المسموح بها، و لا يمكن لأي طيار أن يتدخل و يزيد من تلك السرعة مهما كان الحال..، و حاولت إيران اخفاء العلبة السوداء للطائرة، و أدعت أن التسجيل يؤكد خطأ الطيار في الإقلاع، بعدها أعلنت دولة كندا، في لقاء صحفي رسمي، أنها رصدت اعتداءا صاروخيا على الطائرة، فاضطرت ايران الى كشف الحقيقة خلال يوم الأحد الماضي ، عندما أعلن الحرس الثوري رسميا إسقاطه بالخطأ للطائرة الأوكرانية بعد أن ظنوا أنها صاروخ “كروز” أمريكي، و منذ يوم الاثنين تغوص شوارع طهران بالمسيرات غضبا من الحرس الثوري و ما فعله.
و بعد أن كانت القضية هي الثأر للجنرال “قاسم سليماني”، المقتول على يد الامريكيين، أصبح العالم يعيش قضية “لوكيربي” جديدة مفتوحة على عدة احتمالات،… هذا الخبر الدولي كان لا بد لي أن أضعه في المقال لأشرح كيف أن ما نراه انتصارا قد يكون مصيبة حقيقية، و كيف كشف الهجوم الصاروخي الإيراني ضعف و هشاشة الجيش الإيراني، بعدما عجزت مراصده عن التفريق بين صاروخ “كروز” الأمريكي و طائرة مدنية تهم بمغارة البلاد و تسير في خط عكسي لمسار التهديد، و نفس الإسقاط يقع على النبأ الذي تسرب من كواليس الإتحاد الإفريقي، حيث يقول الخبر أن هذا المنتظم القاري قرر تمويل عملية الأشغال الكبرى بمنطقة تيفاريتي، بالأراضي المحررة من الصحراء الغربية، و مد المنطقة بالبنية التحتية اللازمة عبر الربط بقنوات الصرف الصحي و الماء الصلح للشرب و الكهرباء و طريق الربط البري، و من ثم إنشاء هياكل ستكون مقرات ادارية و اخرى مساكن للشعب الصحراوي.
في ظاهر الخبر يبدو الموضوع مثيرا للحماس في قلوبنا كصحراويين، و سنراه مرة أخرى انتصارا عظيما، و أن ثقتنا في الإتحاد الإفريقي تجددت و لم تنهار و لم تتأثر،لكن مع ذلك ففي الأمر بعض الشكوك، و نحتاج لفهم كيف أن الإتحاد الإفريقي استطاع اخراج هذا القرار و لم يتأثر بوجود المحتل ضمن أعضائه و رغم امتلاك المغرب النصاب الذي يخدم مصالحه…، لهذا نحن مضطرين للتساؤل حول من قرر داخل الإتحاد الإفريقي دعم الدولة الصحراوية في بناء مقراتها بمنطقة تيفاريتي؟، و من هي الشركات التي ستنفذ المشروع و كيف ستجري عملية التمويل ؟، و هل خضع المشروع للتصويت؟ و هل يمتلكك الإتحاد الإفريقي صلاحيات لتنفيذ المشروع؟ و أخيرا ما هي المبررات التي سيقدمها الإتحاد الافريقي للأمم المتحدة التي تراقب المنطقة و تمنع تغيير اي شيء؟
لكن بالرجوع خطوة إلى الوراء، و ما سبق لنا و كتبناه عن المتغيرات التي سيحدثها الوضع الجديد في الجزائر إقليميا و دوليا، يتبين أن هناك توجه معين تسير بمنطقه الأحداث، ذلك انه بعد وصول الجنرال “شنقريحة” إلى رأس المؤسسة العسكرية بالجزائر، بات هو الآمر الناهي في كل ما يتعلق بمستقبل البلاد، و باتت مؤسسة الرئاسة بين يديه، حيث يحمل قائد الجيش الجديد رؤيا جديدة تختلف تماما عن الرؤية التقليدية لدعم القضية الصحراوية، و يهيئ البلاد إلى الدخول في مشروع الجمهورية الثانية، لكن ليس على المقاس التام الذي يشترطه الحراك، لكن بتوافق في بعض النقاط اهمها فكرة التخلص من وجود مخيمات للشعب الصحراوي على الاراضي الجزائرية، لأنها تضعف المواقف الدولية للجزائر على المستوى الحقوقي و السياسي و الدبلوماسي، و تظهرها كطرف مباشر في نزاع الصحراء الغربية.
بناءا على هذه المعطيات يكون نصف الحقيقة الأول قد توضح و انكشف، و أن الأمر لا يتعلق بالإتحاد الإفريقي و لا بمؤسساته، بل بمشروع جزائري للتخلص من الشعب الصحراوي، لأن “شنقريحة” أجرى جلسات حوار مع الأحزاب و مع الأكاديميين لإصلاح الوضع في البلاد و يعمل على بلورة الدستور المقبل، و الذي سيعلن من خلاله على إنشاء الجمهورية الثانية، و أكدوا له أن الشعب الجزائري يحس بغصة بسبب أن المغرب ربح الصحراء الغربية و خيراتها، فيما تورطت الجزائر في رعاية مصالح شعب تلك الأرض من خلال توفير المأكل و الملبس و المسكن و السلاح و التدريب و التمدرس و الأمن و الدواء….
إفريقيا الجائعة و المريضة و المنهكة بالحروب و الأمراض، عجزت عن تمول مختبرا للأبحاث الوبائية بعد أن فتك وباء الايبولا البدائي بأبنائها، و انتظرت مختبرات أمريكا و أوروبا لينقذوا شعبها، فجأة تقرر فتح صناديقها التمويلية حبا في أعين الشعب الصحراوي… !!، على الحليفة بالجزائر و القيادة الصحروية بالرابوني أن تحترما عقول الشعب الصحراوي، لأن خزائن “الماما أفريكا” مفلسة تماما، و بيت مالها ليس فيه شيء تقدمه للقضايا القارية، و إتحادها الأفقر فوق وجه الأرض، و أن الجزائر هي من ستقدم لها الملايين، و ستستخدم واجهة الإتحاد كي تبني لنا مكانا بعيدا عن حدودها، و لن تقدم الجزائر تلك الأموال للإتحاد بعينه لأنه مطالب بالتبرير، بل لدول في الإتحاد صديقة للجزائر، و غالبا سيتكلف بالأمر لجنة السلم و الأمن داخل الإتحاد، و ستحاول الجزائر تسريع العملية حتى لا يسحب المحتل رئاسة هذه الهيئة منها، لتنفيذ مشروع “شنقريحة”، و تهيئ لنا مكانا ننام فيه بعيدا عن ترابها، لأننا أصبحنا قنبلة مؤقتة بعد أن تجاوز تعميرنا للمخيمات 40 سنة، و هذا التقادم يكفي ليجعلنا أصحاب حقوق على الجزائر نفسها.
نقلنا إلى منطقة تيفاريتي سيجعلنا نبدو كقبيلة “بني هلال” في فيلم الرسالة، شتات من الرعاة ننتشر ذهابا و إيابا في فراغ الأراضي المحررة و نعيش وهم الدولة، و العالم يصنفنا كلاجئين خارج جدار الصحراء الغربية، و نحن نعتقد أننا أقمنا دولتنا، و انتصرنا على المحتل، و الأصل أنه بعد السنوات الطوال و التضحيات كل ما أنجزناه، أننا سنصبح لاجئين بدون حماية بعد أن تخرجنا الجزائر من نفوذها…، و في الجانب الثاني، قد يتغافل المحتل المغربي عن مشروع “شنقريحة” و يتواطأ بقبوله، مادام يخدم مصالحه و يسمح بأن ينقلنا لمنطقة من السهل مراقبتها و التحكم فيها و يضعنا تحت رعاية الأمم المتحدة لـ40 سنة أخرى.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك