بـقـلـم:بن بطوش
المشاهد الإنسانية الأكثر تأثيرا لهذا الشهر، كانت لصور الأطفال الأربعة المفقودين الذين عثر عليهم، بعد أربعين يوما من البحث في غابات كولومبية الاستوائية الموحشة، إثر تعرض طائرة خاصة للتحطم، و نتج عن ذلك موت الأم و أحد الأقرباء و الطيّار،… و يا لرحمة القدر!!، لم ينجو من هذا الحادث سوى أربعة أطفال أصغرهم سنا لا يتجاوز عمره السنة، و الثاني بعمر الأربع سنوات, و ثالثهم بعمر التسع سنوات و أكبرهم بالكاد أكمل السنة الثالثة عشر.
خبر العثور على هؤلاء الأطفال أحياءًا خلف موجة من الفرح في شوارع بوغوتا، أين خرجت الحشود تعزف و تهتف و كأنه نصر عظيم، و قال الرئيس الكولومبي “غوستافو بيترو” لوسائل الإعلام الدولية بأن العثور على الأطفال بعد أربعة أسابيع من البحث أغرق البلاد في الفرحة و أضاف بأن هذا اليوم هو “يوم سحري… كانوا بمفردهم، لقد حققوا إنجازا كبيرا في مفهوم البقاء، سيُخَلَّد في التاريخ”.
فرحة العالم بنجاة الأطفال الأربعة أشعرتني ببعض الغصة، لأن الشعب الصحراوي بعد أن تاهت قضيته في فيافي تندوف، عاش و لا يزال يعيش الفقد و الضياع منذ نصف قرن في أرض أسوء من كل غابات الدنيا، و نعلم أن لا أحد خرج للبحث علينا رغم أننا لسنا أربعة أطفال بل شعب بأكمله…، بأطفاله و عجائزه و فقراءه و مرضاه و يائسيه و معطوبيه… و كذلك بلطجيته المشتغلين تحت أمرة وزيرة الداخلية “مريم السالك احمادة”…، شعب لا ينتظر شيئا سوى رحمة القدر و يعلم أنه مفقود و ضائع و هائم على وجهه و يعلم أن لا أحد منتبه لمأساته، و يعلم إن هو هلك أو بقي يُجالد الحياة فلن يبكيه أحد، و لو بمقال هامشي في جريدة منسية…، إلا إن هو دفع من قوته و دمه مقابل هذه الخدمة، فكم هو مضني شعور اليأس و كم هو مؤلم الإحساس بالغيرة من المأساة… !!
فجأة…، قرر الأزواديون استنساخ التجربة الكردية و فتح جرح جديد في قلب النظام الجزائري؛ الحليف الذي ستزيد معاناته أكثر مع هوس المؤامرات، خصوصا و أن الأزواديون أطلقوا حساباتهم الرسمية و أصبح لهم مخاطب و ناطق يتحدث عن عملياتهم العسكرية، و خرجوا للإعلام من أجل مواجهة أي ردة فعل لطمس حركتهم و التعريف بها… و الخطورة أنهم قرروا تكوين لجنة رسمية ستتكلف بالسفر إلى الأمم المتحدة لطرح ملفها بشكل رسمي و المطالبة باستقلال أراضيها عن الدولة الجزائرية.
و هنا مربط الفرس، حيث وجب علينا السؤال كيف انفلتت الأمور من أيدي النظام الجزائري و انحدرت إلى هذا المستوى ؟ و ما هي الظروف التي جعلت شعب الأزواد الطيب يثور في وجه النظام الجزائري ؟ و هل ثمة صلة بين قضية الأزواد و القضية الصحراوية؟ و إذا ما كان هذا الشعب الأزوادي يستعمل لضرب الاستقرار في جنوب الجزائر و شمال دولة مالي و يوظف كما توظف قضيتنا ؟
ننطلق في هذا الموضوع من الإعلان العسكري الذي بثته الحركة التي تطلق على نفسها إسم”حركة تحرير جنوب الجزائر”، و التي تتخذ من أحواز تمنراست و أدرار قواعد لها، بأنها قتلت حوالي 16 جنديا جزائريا و أسرت عدد منهم، و أنها تفاوض الدولة الجزائرية عبر وساطة مالية من أجل مبادلتهم بعدد من الأسرى الأزواديين المتواجدين في السجون الجزائرية دون محاكمات، منذ أحداث تمنراست الأخيرة.
و خلال الـيومين السابقين، أعادت الحركة نشر مقاطع لمواجهات داخل أحياء و شوارع تمنراست بين أفراد الحركة و الجيش الجزائري استُخدِمت فيها الأسلحة الخفيفة و الرصاص الحي، و تُظهر المواجهات و كأنها حرب أهلية شبيهة بما يحدث في السودان، و من المنتظر أن تنشر الحركة عبر صفحتها بيانا تشرح فيه أسباب رفع السلاح في وجه النظام الجزائري، و الدافع وراء جر الجيش الجزائري إلى حرب شوارع داخل تمنراست، و من المنتظر أن يتطرق البيان إلى إتهام الحركة للدولة الجزائرية بإفشال المفاوضات حول الأسرى.
المعطيات على جميع المنصات الإخبارية الدولية تؤكد أن هذه الحركة لم تظهر من العدم، و أن تواجدها كان منذ سنوات و نابع من تطور الشعور القومي/الاثني الأزوادي، و هي منتشرة في ثلاثة بلدان (ليبيا و مالي و الجزائر)، و الذي تحدث عنه المؤلف الليبي “إبراهيم الكوني” في كتابه “التبر” (الذهب)، الصادر عن دار التنوير للنشر سنة 1992، حينها و بإيعاز من الراحل “معمر القذافي” سعى هذا الروائي العالمي بشكل عَمْدي عبر مؤلفه إلى إحياء هذه القومية عبر تمجيد الأسماء و العادات و المعتقدات الأزوادية، و ولادة فكرة الوحدة لدى القبائل الأزوادية.
و مع مرور الوقت، نضجت فكرة تأسيس الدولة الأزوادية لدى النخبة المثقفة لهذه القبائل، بعد أن تغذت – حسب مصادر الحركة- على الإهمال المتواصل الذي تعرضوا له من طرف النظامين الجزائري و المالي، و مراكمتهم الأحقاد على قصر المرادية بعد السماح للطيران الحربي الفرنسي باستخدام المجال الجوي الجزائري سنة 2013 لقصف الشعب الأزوادي شمال دولة مالي، و التسبب في مجازر ضد هذا الشعب بذريعة محاربة الإرهاب، بالإضافة إلى إحساس الأزواديين بتعرضهم لنهب الثروات الباطنية لأراضيهم طيلة عقود، بسبب استغلال مناجم الذهب و الآبار الغازية المتواجدة بتمنراست و أدرار و النواحي دون استفادتهم من عائدات تلك الخيرات، التي تصرف – حسب ما جاء في منصاتهم – على التسلح و على تغذية الصراعات التي لا تخص الشعبين الجزائري و الأزوادي.
الجزائر أصبحت أمام الأمر الواقع بوجود حركة انفصالية حقيقة جنوبها تنضاف إلى حركة الـ MAK في الشمال، و الغريب أن النظام الجزائري يمارس تعتيما إعلاميا مطلقا على هاته التطورات، فيما ترى النخبة السياسية الجزائرية أنه من الأفضل أن يتم فتح القنوات الرسمية أمام قيادات الحركة المارقة من أجل التعرف على الخلافات و معالجتها عن طريق إطلاق الحوار، و عدم الذهاب إلى الخيارات العسكرية الانتحارية، رغم أن الوضع يبدو حرجا و دقيقا و من الصعب السيطرة عليه في الوقت الراهن، في ظل الظروف القائمة و الغضب الذي يبديه الشعب الأزوادي الذي يحتاج إلى الإنصاف أولا.
لكن التخوفات القائمة عند النخب الجزائرية أن يستمر النظام الجزائري في اعتبار نفسه غير معني بالحوار مع هذه الحركة أو أن يحاول تصنيفها على سلم الإرهاب، و ترويجه لخطاب التفوق العسكري و أن بمقدوره طمس هذا الشعب بفضل القوة العسكرية التي يتوفر عليها، و هو الخيار الذي قالت عنه الحركة في موقعها الرسمي و على حساباتها أنها مستعدة له، و أن مقاتليها يعرفون جيدا المنطقة و متمرسون على حرب العصابات، و سبق لهم أن واجهوا الجيش الجزائري في معارك مباشرة و كبّدوه خسائر كبيرة…، و أضافت الحركة أن الجزائر حاليا لا يمكنها السيطرة و بسط جيشها على كل البلاد، و أن الجيش الأزوادي قد يعلن قريبا عن تحرير مناطق كبير من الجنوب الجزائري المحادية لدولة مالي التي توحدت بها القبائل الأزوادية، و التي من المنتظر أن تعلن بدورهاالانفصال عن دولة مالي.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك
تنويه: نخبركم أننا أنشأنا قناة على اليوتوب (SAHRAWIKILEAKS MEDIA)، لذلك نرجو منكم الدعم بالاشتراك في القناة