المحتل المغربي يستغل احتضانه لكأس إفريقيا لتوسيع شراكاته الأمنية مع الدول المتقدمة و النظام الجزائري أكبر الخاسرين رياضيا و إعلاميا
بـقـلـم : بن بطوش
ثمة زخم في الأحداث يكاد لا يمهلني حتى أنظم أفكاري و أنا أنتقي ما يصلح لنسج رأي صحفي واضح، يمنحك أيها القارئ الكريم ذلك الصفاء الذهني، و هو يطلعك على الأحداث من زوايا لم تألفها؛ لأن ما يجري حاليا في إيران هو قطعة ملعوبة في شطرنج للتاريخ، و ما وقع في فنزويلا أمر لم يسبق في الأقوام التي عمّرت الأرض قبلنا بجنها و إنسها أن عاشته…!!، لكني سأترك الأفكار و المعطيات في هذه المواضيع لتنضج، و نذرت هذه المقدمة لأنادي في الملأ من الصحراويين بالمخيمات، و أدعو كل الموجوعين و الأرامل و الغاضبين و الجرحى العائدين بندوب لا تندمل من حرب ظالمة مع الشيطان “يعني”…، ندائي إلى اليتامى و الأرامل و الثكلى…، أطلب منكم أن تنقشوا على كل حجر و أن ترسموا على كل جدار و أن تخطو على كل أرض تربة في الرابوني هذه العبارة:”سيغفر الله للجميع إلا للهنتاتة”.
فما فعله أقزام الرابوني بالقضية الصحراوية و مصير هذا الشعب المقهور، لا يمكن أن يغتفر و لا يمكن أن نجد له من وصف غير أنه جرائم حرب في حق الشعب الصحراوي…، ذلك أن المقالات التي كنا نطالب فيها القيادة الصحراوية – التي توقف فكرها الثوري و وعيها السياسي عن التطور منذ سبعينيات القرن الماضي- بعدم مواصلة التصريحات العنترية على وسائل الإعلام، و منعها من إصدار أي خطاب تدعو فيه إلى مهاجمة المصالح الأوروبية و الأمريكية في مدن الصحراء الغربية، ذهبت كل نصائحنا أدراج الرياح و لم تنصت إلينا… و اليوم تلك التصريحات العنترية المنطوية على تهديدات تم تجميعها في تقرير رُفِع إلى لجنة الدفاع الأمريكية في الكونغرس الأمريكي، و النواب الأمريكيين الذين إطلعوا عليه أجمعوا على أن التهديدات التي يوجهها القادة الصحراويون تصنف كـ “تهديدات إرهابية” و تحمل خطورتها طابع الاستعجال.
هذا التقرير الخطير كان سببا في إقالة السفيرة الأمريكية في الجزائر،”إليزابيث مور أوبين”، التي أغضبت الإدارة الأمريكية مرتين؛ الأولى حين حاولت تلطيف الوضع بين قصر المرادية و البيت الأبيض بعد تصريحات الرئيس “تبون” عن طموحه بمحاربة الدولار؛ العملة التي يمكن لواشنطن أن تضغط الزر اللعين لصواريخها النووية كي تضمن عدم إزاحتها من التداول…، و الثانية عندما تجاهلت ما تصدره قيادتنا الصحراوية من تهديدات للمصالح الأمريكية التي يعتبر أنبوب الغاز الفرعوني (أبوجا-الرباط) جزء منها… !!، ليستدعي الكونغرس الأمريكي السفيرة ،”إليزابيث” و إستفسرها عن السبب الذي جعلها تقلل من شأن ما أسماه الكونغرس الأمريكي “التهديدات الإرهابية” التي يوجهها قادة البوليساريو لدول المنطقة و مصالح الدول الغربية… !!، و من جانبها حاولت السفيرة الأمريكية و اجتهدت في شروحاتها للكونغرس بأن هؤلاء الذين يهددون هم “مجرد بدو سُدّج لا يملكون حتى غذائهم، و أن أبعد طموحهم هو إسقاط مسيرة واحدة للجيش المغربي، و لا قدرة لهم على استهداف أي مصالح أوروبية أو أمريكية داخل مدن الصحراء الغربية، و أن الجيش المغربي يجد في تلك الهجمات تسلية و شغلا يملئ فراغ الصحراء الشاسعة…”، لكن ذلك الاجتهاد في الشرح لم يشفع لها و اتهمت بالخطأ الجسيم الذي استوجب عدم التجديد لها لولاية أخرى و إقالتها.
استغناء الإدارة الأمريكية عن سفيرته بالجزائر تلاه ترافع النائبين،”جو ويلسون” عن ولاية كاليفورنيا الجنوبية، و “لانسغودن” السيناتور النافذ عن ولاية تكساس، و هو عضو لجنة الدفاع و أحد الصقور الذين دافعوا عن خطة الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” لإسقاط “مادورو”…، أصبحت مسألة تصنيف تنظيمنا السياسي (جبهة البوليساريو) ضمن لائحة الإرهاب قضية تصويت، في حال عدم قبول الحليف الجزائري بخطة السلام التي أعدها الثنائي “ستيف ويتكوف” و “غاريد كوشنر”، لتكون الخطوة التي تلي رفض قصر المرادية و التصويت بإدانة قيادتنا إرهابيا…، هو إتهام قصر المرادية برعاية بيضة الإرهاب و تسليح الإرهابيين و إيوائهم، و البقية سيحكيها لنا “مادورو” عند جلسات محاكمته بواشنطن.
عند إلقاء النظرة الأولى على هذا التطور الخطير للتوجه الأمريكي في علاج ملف الصحراء الغربية، يتضح أن ما يقع هو تطور منطقي لعمل دبلوماسي لدولة الإحتلال المغربي مبني على إستراتيجية تنسج في الخارجية المغربية…، لكن العارفين و المتابعين يرون أن النظام المخزني لا يشتغل بالمنطق الدبلوماسي التقليدي الكلاسيكي الذي يعتمد على وزارة الخارجية، بل نجح في ربط المصالح الأمريكية بمصالحه الإستراتيجية، و حتى أبسّط الأمر أقول بأن الرباط جعلت أمن أمريكا جزء من أمن المغرب، و التحدي الأصعب على كوكب الأرض للدول بكل رتبها من الصف الأول إلى آخر صف، هو تحقيق الأمن و عدم السماح بالمفاجآت الأمنية المفجعة لمجتمعاتها.
هذه الشراكة الأمنية المغربية الأمريكية كانت أولى ضحاياها هو النظام الجزائري الذي وجد نفسه الوحيد بين دول شمال إفريقيا المشكوك في أهلية مواطنيه للسفر إلى أمريكا لمتابعة مونديال 2026، بعدما أضافت واشنطن الجزائر إلى الدول التي يفرض على مواطنيها شروط تعجيزية لدخول أمريكا، منها وضع مبلغ 15000 دولار كرهن للحصول على التأشيرة الأمريكية، و أثمر التعاون الأمني المغربي الأمريكي في رغبة واشنطن الحصول على الخطط الأمنية التي تعتمدها الرباط لتأمين البطولة الإفريقية، و حضور خبراء من المكتب المركزي للتحقيقات الفيدرالي FBI للوقوف على تلك الخطة، و توجيه واشنطن طلبا رسميا للرباط من أجل الحصول على الدعم البشري و اللوجستي كذلك الذي حصلت عليه قطر في كأس العالم و باريس خلال الأولمبياد…
هذا المستجد جعل دول أوروبا هي الأخرى تتسابق إلى الرباط بحثا عن تحقيق نفس الغرض، و عقد شراكات أمنية حتى لا أقول صفقات، و هذا ما جعل برلين و مدريد يرسلان أكبر القيادات الأمنية و أعلاها أثرا و شأنا إلى الرباط، لعقد اللقاء الثلاثي السنوي والدوري بين المدراء العامين للشرطة لكل من المغرب وإسبانيا وألمانيا، وكان القياس أن ترسل هذه الدول بعض الكوادر لتنشيط اللقاء، عطفا على المعطيات التي تقول بأن إسبانيا و ألمانيا دولا لديها تفوق أمني مطلق…، لكن الأحداث الأخيرة كشفت بأن معظم دول أوروبا مخترقة أمنيا داخل مجتمعاتها، و أن المغرب من الدول القليلة إن لم نقل الوحيد الذي طور أساليب أمنية يستطيع بها محاربة التطرف داخل المجتمعات بخطة إستباقية.
فما يجنيه المحتل المغربي من هذا الرباط الأمني الإستراتيجي، يمكن وصفه بأنه اساس صلب لتوطيد العلاقات مع الدول لأنه يتجاوز الخطابات البروتوكولية و تتولد عنه منافع متبادلة، و هو الأمر الذي لا يمكن أن يقوم به الدبلوماسيون من خلف المكاتب المكيفة، و بالتالي فأمريكا بكل جبروتها و ترسانتها الأمنية لم تجد حرجا في الاستعانة بتجربة الرباط في تأمين التظاهرات الرياضية و بالتالي عثرت الرباط على طريق مختصر إلى القرار الأمريكي… لأن اكبر هواجس واشنطن هو الأمن الداخلي لأمريكا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك