بـقـلـم : حـسـام الـصـحـراء
ليست مهمتي كصحفي أن أكون سيَّاف القضية و أقطع أعناق المبادرات التي تطلقها القيادة لمجرد عدم الرضا على الزعيم الجديد أو سياسته، و لكن من واجبي أن أحرص على الوقوف إلى جانب الشعب ضد وحشية تلك المبادرات التي لا تنكشف مساوئها إلا أمام القلة من أبناء الشعب ممن يرجح العقل في القضايا، ليس لجهل من السواد الأعظم للأمة الصحراوية، بل لكون الجميع يسبقه حسن الظن بقيادته التي تسيء التصرف و لا تقيم وزنا لما يوجعه.
لا أجد من مبرر لحملة من هذا النوع غير نهب الأمل المتبقي في الاستقلال من قلوب الشعب الصحراوي المسكين، و إذا كان الشعب الصحراوي في أمس الحاجة إلى منازل تقيهم غدر الطبيعة و تنكر الإنسان، فالأمر لا يستدعي إطلاق حملة من جزيرة تنيريفي، و الجلوس لساعات طوال بمركز “تاوتشو” لمناقشة حاجة الإنسان الصحراوي إلى مسكن يقي إنسانيته من الامتهان و الذل، لأن الأمر من المسلمات و لا يحتاج إلى خبير استراتيجي في الهندسة الحضرية أو عالم استيطان، بقدر ما هو في حاجة إلى نية صادقة لقيادتنا.. لكن ماذا لو قرأنا الموضوع من الجهة المعاكسة.
فالقيادة الحالية التي أستهلت مسيرتها مع الشعب الصحراوي بالكذب و الخداع، أرادت أن تضع للشعب الصحراوي إنجازا يقيها المسائلة المتأخرة أو يمنع عنها على الأقل انتقادات المقاهي و عتاب جلسات الشاي، فهي تدرك بأن العدو المغربي لن يمكنها من الاستقلال – على المدى القريب على الأقل- و إدراكها هذا تزايد مع الأزمة البترولية التي أدخلت الاقتصاد الجزائري مرحلة الموت السريري، و لم تجد من فكرة غير توفير بعض المساكن للشعب الصحراوي، رغم علمها المبدئي بأن الجزائر سترفض الفكرة على اعتبار أن بناء المساكن يعني المزيد من السنوات في أرض اللجوء، و هناك حاليا خط سياسي بدأ يكشف عن نفسه و يقود حملة داخل الجزائر ضد القضية الصحراوية التي يتهمها بأنها عامل من عوامل الأزمة الجزائرية.
ما يهمنا الآن ليس هامش الربح السياسي للحملة، بقدر ما يهمنا وضع المواطن الصحراوي فيها، لأن المنازل التي يروج لها قادتنا مختلفة عن تلك المنازل التي تضمن الكرامة للإنسان، فالأمر يتعلق بمنازل ستبنى من قوارير، غير أنها ليست “مُمَرّدة” كما نعرف في قصة نبي الله سليمان، لأنها قواريرها من البلاسيك المحشوة بالطين و الملحمة بالطين كذالك، أي أنها منازل لن تكلف القيادة غير حملة هوجاء لتوفير السواعد و القنينات الفارغة التي هي في الأصل نفايات بلاستيكية ستعيرنا إياها الجزائر التي عوض أن توجهها إلى المصانع لإعادة تدويرها فهي ستتكرم بالتنازل عليها تضحية من أجلنا كي نبني بها أعشاشنا، و هذه هي الحالة الوحيدة التي ستسمح لنا فيها الجزائر ببناء منازل فوق أراضي اللجوء.. في نظرنا هي منازل دائمة لكن في نظر الطبيعة ستزول مع غضبتها الأولى.
لقد وجدتني مضطرا لوضع مقارنة بين الحملة التي أطلقت بإيطاليا بعد الزلزال من أجل إعادة إسكان المتضررين و الحملة هاته التي تقودها الجمعيات المدفوعة من القيادة لأجل إسكان الشعب الصحراوي المتضرر من الفياضانات المتوالية، حيث في إيطاليا انبرت الفرق الرياضية لكرة القدم و تنازلت عن حصصها من عائدات اللقاءات و البث التلفزيوني لأجل المتضررين من الزلزال و نحن نعلم كيف هي عائدات “الكالشيو”، فيما أعلنت مجموعة “لوطو” “ماكدونالد” العالميتين عن تخصيص جزء عائداتهما لمن فقد منزلا أو حبيبا في ذلك الزلزال فيما قررت مؤسسات غير حكومية أوروبية شراء منازل مؤقتة للمتضررين حتى تحميهم من العراء و المبيت في الشوارع، فيما أعلنت العديد من المطاعم عبر العالم إطلاق حملة “لنأكل من أجل إيطاليا” و جعلت عائدات وجبة “السباكيتي” لدعم المتضررين، أما الفاتيكان فقد قرر المساعدة المباشرة و التكفل بالضحايا… لتجد دولة إيطاليا نفسها محرجة أمام هذا الكم من المساعدات.
بينما في الرابوني عصفت الرياح بأسمال الشعب الصحراوي و شردت العوائل و غرقت الولايات في الوحل، و عندما حضرت الجمعيات تساءلوا أين تلك الهبات و المعدات التي منحت للشعب الصحراوي لأجل يوم كهذا، و عوض أن تطلق تلك الجمعيات حملة لإغاثة الشعب الصحراوي أطلقت حملة لمحاسبة قادته و خرج الإتحاد الأوروبي بقرار عدم مساعدة القضية بأي دعم حتى يقدم تقرير عن الوجهة التي تهاجر إليها تلك المساعدات.. و نسوق هذا الأمر للعبرة لا غير.
و لكي تخفي القيادة هذا القبح و تمنح الشعب الصحراوي مبررا لما جرى أعلنت إن القضية مرة أخرى تتعرض للمؤامرة و أن إسكان الشعب الصحراوي ستتكلف به القيادة و خصصت لهذا حملة أطلقتها من جزر الكناري و هيأت الشعب نفسيا كي يتقبل الوضع الذي تراه مناسبا له، حيث سنضطر مع مرور الوقت للاقتناع بفكرة أننا سنضل في أرض اللجوء إلى أن يرث الله الأرض و من عليها.