الأمين العام الأممي يُقيل مبعوثه الشخصي إلى السودان ” رمطان لعمامرة” بعد تقارير تؤكد ضلوعه في تعقيد المشكل بين الفرقاء
بـقـلـم : بن بطوش
سبق لي أن ذكرت في إحدى مقالاتي حكاية شعبية متداولة باليمن عن”حمدان والتيس”، للاستدلال بها على سلوكيات بعض الناس الذين يقومون بأعمال ضارة حينما يتم تكليفهم بأعمال نافعة؛ إذ تقول القصة أن تيسا (ذكر الماعز) دخل إلى الغرفة وكان الأب يتعشى مع أولاده ، فقال الأب لابنه الأكبر : “قم يا حمدان أربط التيس بسرعة قبل أن يتسبب في فوضى بالغرفة”... فقام “حمدان” مستعجلاً وخبط برأسه القنديل فكسره فصار البيت عتمة ، ثم وضع رجله في المائدة فقلب الأكل وتناثر على الأرض … فقفز “حمدان” لكي لاتغوص قدمه بالأكل فجاءت رجله اليسرى في بطن الأب واليمنى بجبهته … فصرخ الأب لباقي أولاده :“أتركوا التيس واربطوا حمدان”…
“أتركوا الحرب في السودان و أقيلوا لعمامرة”… بهذا المنطق تصرف الأمين “أنطونيو غوتيريش” عندما قرر إقالة مبعوثه الخاص إلى السودان “رمطان لعمامرة”، بعدما تبين له أن هذا الأخير لم يكن محايدا و لم يلتزم بصفته كوسيط أممي، بل كان يخدم أجندة قصر المرادية لتصفية حسابات مع النظام الإماراتي داخل الفوضى السودانية؛ إذ نشر الإعلام الفرنسي معطيات منقولة عن تقارير استخباراتية أمريكية و بريطانية، كانت جزءا من تقييم شامل وجّهته واشنطن إلى الأمين العام الأممي تخبره فيه أن مبعوثه الشخصي إلى السودان كان ينقل معطيات مفبركة إلى الأطراف السودانية، و أنه يشحن الطرفين و لا يساهم في تقريب وجهات النظر، و كان يقدم للجيش السوداني بشكل دوري و خارج اختصاصاته، قصاصات استخباراتية يتم إعدادها في ثكنة “بن عكنون”، و جميعها تحرض الأطراف السودانية ضد دولة الإمارات العربية.
و أضاف الإعلام الفرنسي أن “رمطان لعمامرة” كان يقدم لـ”عبد الفتاح البرهان”، بشكل شخصي، معطيات حربية عن تحرك فيالق “الدعم السريع” و عن القرى التي تدين بالولاء لخصمه “حميدتي”، مما تسبب في مجازر مروعة في عدة قرى، أرتكبها الجيش السوداني بقيادة “البرهان”، ظنا منهم أن تلك المعطيات و المعلومات الإستخباراتية تستند إلى معطيات تقنية لا غبار عليها،… لكنها في الأصل، معطيات انتقامية؛ لأن الجزائر ترى في هزيمة قوات “الدعم السريع” ، ضربة قاسمة لظهر الاستثمارات و المصالح الإماراتية بالسودان.
كان القياس أن يُجرَّم هذا السلوك الإستخباراتي للوزير السابق لخارجية الرئيس ” تبون”، لكن الأمين العام الأممي اكتفى بإبعاده عن ملف السودان، و التحفظ على تقاريره التي كان يرفعها إلى مجلس الأمن، و التي كانت كلها موجهة لشيطنة دولة الإمارات العربية، و لم تتطرق يوما إلى جوهر الخلاف بين الأخوة الأعداء الذين يتقاتلون حول السلطة و الثروات منذ 15 أبريل 2023.
إنهاء الأمين العام الأممي لمهام “لعمامرة” جاء بعد اكتشافه أن الرجل أصبح جزءا من المشكلة،… فتخيل أيها القارئ الكريم أنه نفس الرجل الذي كان يحمل ملف القضية الصحراوية يسافر به إلى العواصم الدولية، بعد أن تخلت قيادتنا عن الترافع لأجل القضية و انتهت إلى رعاية أعمالها و استثماراتها و حضور الحفلات المخملية في مدن إسبانيا و فرنسا…، و كان “الهنتاتة” الأقزام يعتبرون تقاريره ناموس لا يأتيه الباطل من بين يده، ليتبين بعد بضع سنوات أن الرجل كان – مثل جميع وزراء خارجية الحليف- يضع ملف قضيتنا كواجهة لحماية مصالح و أهداف قصر المرادية.
و لأن البيت الأصفر بالرابوني على نفس العقيدة و نهل من نفس البئر، فقد خرج علينا أخيرا الأخ القائد “إبراهيم غالي”، في خطاب بمناسبة الذكرى الـ 50 لإعلان الجمهورية الصحراوية، ليجدِّف عكس التيار، و عكس ما يروج، و عكس ما يحدث في الغرف المغلقة للمفاوضات، و هو يخبرنا أن تنظيمنا السياسي لا يزال متشبثا بتقرير المصير و الاستقلال… و على الرغم من أن نبرة الرجل كانت كئيبة و محبطة، إلا أنه حاول أن يلعب دور القائد الذي لا يستبق نزول الكارثة بالعويل و البكائيات، بل يحافظ على رباطة الجأش ما دام الرئيس الأمريكي لم يعلن انتهاء قضية الصراع على الصحراء الغربية بقرار نهائي، و مادام أنه لا يزال في المخيمات لاجئون يأكلون المساعدات و يمشون في الأسواق، و ما دام الدرك الجزائري لم يحضر بعدته و عتاده ليفكك المخيمات خوفا من الغضب الأمريكي.
و كان القياس أن يكشف الأخ “إبراهيم غالي” في هذا الخطاب عن تفاصيل ما جرى في فلوريدا، و الذي تسرب عنها في الإعلام الفرنسي أن قيادتنا التي تدعي أنها لن تتنازل عن تقرير المصير و الاستقلال، قبلت بالحكم الذاتي و أنها تفاوض بشأن تفاصيله، و أن من مطالبها منع المشاركة في المجالس المنتخبة عن المواطنين غير الصحراويين الذين استقروا بالمنطقة بعد سنة 2015 ، و أنها رفضت نظام الكوطة، و طالبت بأن يكون الحكم الذاتي تحت نظام كونفيدرالي و ليس فيدرالي، و هذه المطالب تتنافى مع خطاب الأخ القائد و تُلغي الشرعية عن القيادة الحالية لتنظيمنا السياسي؛ إذ أنها فقدت شرعيتها بمجرد قبولها الدخول في مناقشة لأي حل خارج مطلب الاستقلال بما أنها انتهكت بنوذ الدستور الصحراوي و مبادئ الثورة الصحراوية .
الأكثر من هذا أن خطاب الأخ “إبراهيم غالي” جاء بعد يومين فقط من زيارة وفد صحراوي إلى نواكشوط، بدعوة من الرئيس الموريتاني، الذي أبلغ الوفد عن وجود مفاوضات متقدمة بين موريتانيا و المغرب و الإمارات العربية، قد تنتهي بتجميد نواكشوط لاعترافها بالدولة الصحراوية، تماشيا مع القرار الأممي الأخير 2797، الذي يعتبر الحكم الذاتي الذي هو الحل المتاح و الممكن و الذي يراه القادة الخمسة الكبار للعالم قابلا للتطبيق، خصوصا و أن حلفاء الجزائر (روسيا و الصين) يرون في القضية الصحراوية ملفا، لا مكاسب منه و لا يرقى إلى المستوى الذي يجعلهم ينفقون الكثير من الجهد الدبلوماسي ضد أمريكا لأجل كسبه.
الأمر لا يتعلق فقط بمحاولة موريتانيا تهيئة قيادتنا نفسيا لقرارها القادم، بل الأخطر أن إثيوبيا و مالي – حسب ما ينشر في إعلامهما الرسمي- وصلا إلى مستوى من الشراكات مع الرباط، يفرض عليهما الانسجام مع شريكهما سياسيا في القضايا المشتركة، و بالتالي فإن قرار تجميدهما للاعتراف بالجمهورية الصحراوية، قد نسمعه قبل متم السنة الحالية، و لن يكون حدوث ذلك بالمفاجئ؛ لأن التحرك الدبلوماسي المغربي المكثف و الآثار التي خلفها الاعتراف الأمريكي، يشي بتطورات كبيرة في المستقبل لن تروق للشعب الصحراوي و لا للقيادة الصحراوية.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك