بـقـلـم : بن بطوش
نكتب هذا المقال و قد انتهى الاجتماع المغلق و السري بأمريكا، الذي يجمع الأطراف الأربعة المغرب و الجزائر و البوليساريو و موريتانيا تحت رعاية أمريكية – أممية، و حتى كتابة هذه الأسطر لم يسرب الإعلام الأمريكي أي خبر عما جرى من مباحثات، التي تصادف تصريحات السياسية الأمريكية القوية “مارشا بلاكبيرن”، و هي تعلق على بداية الجولة الثالثة في ملف الصحراء الغربية بفلوريدا، بقولها :”حان الوقت لنرد جميل الأجيال إلى المغرب و أن ندعم وحدته الترابية، لأنه كان أول بلد امتلك الشجاعة و اعترف بالولايات المتحدة الأمريكية عند تأسيسها كدولة”.
تصريح هذه المرأة الأمريكية سبقه صمت مطلق في الإعلام الجزائري عن القضية الصحراوية، و كأنها فجأة لم تعد قضية قصر المرادية… حتى الرئيس “عبد المجيد تبون” و السياسيون الجزائريون لم يعد أحد منهم يتطرق للقضية، و كأن الولايات المتحدة الأمريكية مسحت الملف من ذاكرتهم و لفته بجدار من الغموض…، مما يمنح الرأي العام الدولي و المحلي و الجهوي فهما بأن ثمة مستوى من القبول و الرضى يتقاسمه الساسة في “مكة الثوار” حول ما سينبثق عن جولة يومي 23 و 24 فيفري، و أنه سبق في علمهم بأن الجولة ليست للتفاوض بين الرباط و جبهة البوليساريو، بل كانت مجرد لقاء لوضع اللمسات الأخيرة حول الاتفاق الذي قاعدته و مادته “الحكم الذاتي” طبقا للقرار الأممي 2797، لأجل التأسيس لجعل جلسة أكتوبر المقبل نقطة نهاية للملف بمجلس الأمن.
بالنسبة للشعب الصحراوي فنهاية هذا الملف كيفما كانت التسوية فهي أحسن من لاشيء… !!، خصوصا أولئك الذين باتوا مقتنعين بأن مفاتيح ثورتهم ضيعها فساد قادتهم ، فاللهم نصف خسارة أو خسارة كاملة و لأن أي تسوية قد توقف معاناة استمرت نصف قرن أنفق فيه هذا الشعب الكريم أربعة أجيال كاملة، أما بالنسبة لـ “الهنتاتة” الأقزام فالحكم الذاتي هو بمثابة ضياع لأصل تجاري احتكروا عائدات أسهمه لنصف قرن، و ما يجنيه و ما جنوه في اللجوء من الريع و النهب و استغلال النفوذ و سرقة المنح و المقدرات و تجارة المخدرات…، سيكفيهم ليمنحهم مستوى من العيش الرغيد في إسبانيا و حتى في مدن الصحراء الغربية… !!، لكن بالنسبة للحليف الجزائري فنهاية هذا الملف أشبه بنهاية قتال عنيف بين جبارين بالإخضاع…، ففي النهاية يشعر قصر المرادية أنه هُزم من طرف النظام المخزني.
عندما نتحدث عن قوة الرباط فنحن لا نمجد عدونا، لأن فلسفتنا و عقيدتنا الصحفية مبنية على البوح بالاستشارة و تقديم الرأي إلى البيت الأصفر، حيث الهنتاتة الأقزام يرفضون النصيحة و هم يقودوننا من هزيمة لأخرى بفخر غريب، و حتى نكشف بعض الأسرار التي تجاهلوها و كانت وراء تدخل أكبر دولة في العالم لتفرض علينا القبول بمقترح “الحكم الذاتي”، ذلك أن الجميع اليوم في حاجة لفهم أسرار التحالف الذي ظهر من العدم و بشكل عرضي بين القاهرة و الجزائر رغم أنه جاء متأخرا بنصف قرن، من أجل الإجابة على التساؤلات و إن كان باستطاعة هذا التحالف إنقاذ القضية الصحراوية من القرار 2797؛ لأن الشكل الذي و حدت به القاهرة و الجزائر خطيهما التحريري في الإعلام العمومي و هما تهاجمان الرباط، و تبخسان عملها الدبلوماسي أو السياسي أو الإقتصادي…، يكشف على أن المغرب أصبح يشكل تهديدا للمصالح المصرية أيضا، رغم أن بلاد الكنانة تبعد عن حدود المغرب بمئات الكيلومترات.
في الواقع فإن تحالف الجزائر و مصر ليس وليد حوار الرئيس الجزائري الذي رد عليه “عبد الفتاح السيسي” بتغريدة استفزت ذباب الاحتلال المغربي، بل هو أقدم حتى من القيادتين، لأن الذي يجمع بين مصر و الجزائر يعود إلى زمن الرئيس الجزائري “بن بلة” و الرئيس المصري “جمال عبد الناصر”، و منذ ذلك الحين و العلاقات بين البلدين تمر بفترات انتعاشة و انتكاسة…، إلى أن ظهرت مصر كدولة معارضة لعودة المغرب إلى الإتحاد الإفريقي، حين تحفظت على التصويت لقرار العودة بتاريخ 30 يناير 2017، كرد فعل على رفض المغرب السماح للصلب المصري بدخول السوق المغربية، و رفضها الترخيص لاستثمارات مصرية في قطاع الصلب و التعدين بعد أن نجحت صناعة السيارات في المغرب، ثم رفضت لاحقا الرباط نقل التجربة الصناعية للسيارات إلى القاهرة.
بقيت العلاقات المغربية – المصرية تمر بمرحلة رتيبة بسبب الاتفاقيات المغربية – الإثيوبية العسكرية، و التي من المنتظر أن تعلن إثيوبيا بسببها سحب اعترافها بجمهوريتنا الصحراوية، ليقرر الإعلام المصري توجيه أقلامه لضرب صورة الرباط التي أظهرت مستوى من التنمية و التقدم خلال تنظيمها لكأس إفريقيا، و هو ما شكل استفزازا للإعلام الرسمي التابع للنظام المصري، الذي تجاهل أحداث المكسيك بعد اغتيال رئيس كارتيل الميكسيك “إل منتشو” و تأثير الحدث على استضافة كأس العالم 2026 الذي يفصلنا عليه حوالي ثلاثة أشهر، و فضلت تلك المنصات المصرية إطلاق حملة ضد استضافة الرباط لكأس العالم 2030 حيث تقول المنصات المصرية، أن الفيفا قد تسحب التنظيم من المغرب بسبب قضية الكلاب الضالة التي يتم صيدها و إعدامها من طرف سلطات المغرب، في تعارض مع القوانين الكونية و الحق في الحياة لجميع المخلوقات.
حسب الخبراء فإن ما أوجع مصر للمستوى الذي يجعلها تقدم على هذا الاستهداف، و هو تقارير البنك الدولي الذي أعلن عن دخول الرباط نادي الـ 50 مليار دولار، حيث أصبح المغرب رابع دولة في إفريقيا يتجاوز احتياطها من العملة الصعبة هذا الحاجز، و تتهم التقارير الصحفية في مصر الاقتصاد المغربي بتهجيره للعملة الصعبة (الدولار و الأورو و الذهب) من الاقتصاد المصري، بعد أن نجحت مجموعة “التجاري وفا بنك” في السيطرة على بنك “بركليز” فرع مصر في صفقة وقعت بتاريخ 07 ماي 2017 و بلغت قيمتها 400 مليون دولار، فيما فشلت الدولة المصرية بكل أموالها في الدخول إلى السوق المالية المغربية و حتى إلى القطاعات الصناعية الخاصة بالسيارات و الطائرات…، و ظل استثمارها محصورا في القطاعين السياحي و الاستهلاكي – التحويلي.
الصراع بين مصر و الرباط وصل إلى مجلس السلم و الأمن الذي أسسه الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، حين أراد الحليف الجزائري استخدام مصر لضرب مصالح الرباط داخل هذا المجلس المحدث، و بالفعل قامت مصر – حسب الإعلام الأمريكي- بتوجيه طلب للإدارة الأمريكية كي لا تشارك القوات الأمنية المغربية في الانتشار الميداني بغزة و حتى تعطل تنفيذ الانتشار لأسابيع إضافية، و لم تطلب طرد الرباط من العضوية كما جاء في الإعلام الجزائري و الحسابات القطرية على منصة X، لأن مصر تريد تأجيل الانتشار الأمني في قطاع غزة، و تريد منح إسرائيل مساحة زمنية أكبر لدك ما تبقى من الأنفاق و للإجهاز على آخر أنفاس حركة “حماس” و ذراعها “كتائب الأقصى”، لأنها ترى في الهدنة فرصة لترص “حماس” صفوفها و تعيد تشغيل الأنفاق التي تمتد تحت معبر رفح و تشكل خطرا على الأمن القومي المصري.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك