النظام الجزائري يتراجع عن البنود التصعيدية في قانون تجريم الاستعمار للتقرب من الإليزيه و لطلب الحماية من غضب واشنطن
بـقـلـم : بن بطوش
لا تزال هذه الحرب الملعونة في الخليج تمنحنا الدروس، و لن تتوقف دروسها حتى و إن وضعت أوزارها…؛ لأنه بعد هذه الحرب سيصبح الجميع قادرا على القيام بهجوم نووي، حتى من غير امتلاك للسلاح النووي… !!، لقد تغيرت المفاهيم، ذلك أن الهجوم النووي لم يعد بالمعنى التقليدي هو توجيه صاروخ برأس نووي أو طائرة تحمل قنبلة نووية نحو بلد ما، بل يكفي أن يتم استهداف قلب مفاعل نووي لإطلاق جحيم يعادل تفجير 10 قنايل نووية من حجم هيروشيما، أو التسبب في انفجار يضاعف ما حدث في تشيرنوبيل أربع مرات.
و حتى تفهم أكثر أيها القارئ الكريم، سأبلغك أن الولايات المتحدة الأمريكية بعد استخدامها لـ “القنبلة الجرافيتية” التي عطلت جميع النظم التي تعمل بالكهرباء، و جعلت نصف إيران تغرق في الظلام لمدة 6 ساعات، و هي المدة التي كانت كافية ليرسم بها الجيش الأمريكي خارطة التتبع الحراري، و يحدد بها مواقع تخزين الأورانيوم و مواطن تواجد مكثفات التخصيب و أجهزة الطرد المركزية، أو ما يسمى بقلب المفاعلات النووية الإيرانية، ليصبح أمر حرق إيران مسألة قرار أخلاقي فقط، و كل ما ينتظره العالم اليوم هو أحد الأمرين؛ إما استسلام إيران بصيغة ما… !!، أو استهداف بنيتها النووية و فتح باب الجحيم في الشرق الأوسط.
هذا النموذج الحربي الأمريكي، و استخدام تكنولوجيا الحرب “الجرافيتية”، حول المفاعلات النووية إلى نقاط ضعف تهدد الأمن القومي داخل الدول، بسبب السهولة التي أصبحت عليها عملية تحديد أماكن الطرد المركزي، و التي تجهلها حتى حكومة البلد التي تستثمر منذ سنوات من أجل امتلاك القنبلة النووية ، و لا يعرفها غير مراقبو الوكالة الدولية للطاقة النووية، و خبراء الوطن الذين يشغلون المفاعل ثم قيادته العليا…، لأن تحديد مخابئ المكثِّفات و استهدافها من طرف قوى غير وطنية، هو عبث مدمر، قد يتسبب في تفجير نووي ضخم يليه تسريب إشعاعي حارق يستمر لعقود، و هذه السهولة في الوصول إلى المُكثِّفات و تحديد مكانها، يجعل تخريبها أمرا سهلا عبر الاستهداف، مع وجود سلاح المسيِّرات المنخفض التكلفة و السهل التصنيع حتى من طرف الإرهابيين… !!، و يقربنا من الحرب النووية و يُسهِّل إشعال فتنتها حتى دون امتلاك سلاح نووي…. لهذا أصبح الخبراء يرون في الجهد الذي بدلته إيران لامتلاك سلاح نووي و بنائها لمفاعلات ضخمة بمُكثِّفات يمكن رصد حرارتها بسهولة عن بعد، قد يكون في حال استهدافها كمن بنى فخا لنفسه.
نترك لعنة الحرب في الخليج و دروسها المخيفة، و نفتح ملف ما يجري في دولة الحليف الجزائري، بعد أن اهتز الشارع الجزائري غضبا إثر تسريب صور و مقاطع فيديو لـ “أحمد أويحيى”، الوزير الأول الجزائري المحكوم عليه بـ 15 سنة سجنا، و الذي كان قد ألقي عليه القبض و توبع في قضايا فساد رفقة عدد من رجال الأعمال و السياسيين سنة 2021، حينها وجهت إليهم تهم بالفساد و الاحتيال على الدولة في مشاريع وهمية لتركيب السيارات، كلفت الدولة – حسب الأرقام الرسمية- خسائر تقدر بـ 975مليون يورو، ثم التمويل غير الشرعي لحملة الرئيس الجزائري الراحل “عبد العزيز بوتفليقة”، و تلقيه رشاوي خليجية عبارة عن سبائك ذهب أعاد بيعها “أويحيى” في السوق السوداء مقابل700 مليون دينار جزائري (4.3 ملايين يورو).
الصور التي التقطت للوزير الأول الجزائري السابق تظهره و هو يمارس أنشطته كمواطن حر، خلال تبضعه من أحد المراكز التجارية بالعاصمة الجزائرية، و هو الأمر الذي جعل الحسابات الجزائرية تعبِّر عن غضبها و رغبتها في إطلاق موجة جديدة من الحراك الرقمي، من أجل التأسيس لحراك ميداني، خصوصا و أن إطلاق سراح “أويحيى” – حسب التسريبات الفرنسية- مرتبط بضغوطات فرنسية، و جاء مباشرة بعد زيارة وزير الداخلية الفرنسي إلى الجزائر “لوران نونييز”، على اعتبار أن الوزير الأول السابق “أويحيى” يحمل الجنسية الفرنسية، و يعتبر شريكا في مشاريع كبرى للدولة الفرنسية، و وجود الرجل خلف القضبان أضر كثيرا بعدد من رجال الأعمال الفرنسيين، و كان من شروط باريس لإرساء آليات جديدة للحوار مع قصر المرادية، هو إطلاق سراح لائحة من الشخصيات السياسية و المالية مزدوجي الجنسية، أبرزهم “علي حداد” و “عبد المالك سلال” و “أحمد معزوز” و “حسان عرباوي”… و هذان الأخيران يقول معارضون جزائريون أنهم شاهدوهما في الضاحية الجنوبية لباريس و هما يمارسان حياتهما بشكل طبيعي.
الضغوطات الفرنسية التي زادت وطأتها على قصر المرادية منذ إنهاء مهام السفيرة الأمريكية بالجزائر، هي ردة فعل طبيعية من الإليزيه الذي يرى أن الظرفية مثالية جدا لإرغام النظام الجزائري على الخضوع، خصوصا و أن واشنطن بدأت تنظر إلى الجزائر كدولة مزعجة و مثيرة للقلق في المنطقة، و أن ثمة توجس عسكري أمريكي بسبب تحركات إيرانية فوق التراب الجزائري، إذ حسب ما يتم تداوله بين عناصر الجيش الجزائري (لم نستطع تأكيد الخبر)، فإن قيادة “الأفريكون” وجهت قبل انطلاق حرب إيران ضربة عسكرية جوية جراحية، لعناصر إيرانية كانت تتدرب بالقرب من الحدود الجزائرية – المغربية على تخريب التجهيزات المينائية و استهداف البواخر، و أن الضربة أنهت حياة أربعة أفراد ينتمون إلى “فيلق القدس”، فيما توجه باقي عناصر الفيلق و عددهم يتجاوز العشرة عناصر إلى موريتانيا، حيث يتواجدون الآن في انتظار توصلهم بالأوامر لبدء الهجمات في المحيط الأطلسي.
ما نكتبه ليس صكوك اتهام نسوقها لقصر المرادية أو للجيش الشعبي الجزائري، بل هو تحليل للوضع القائم و تقييم لخطورته على المنطقة ككل و على قضيتنا الصحراوية بشكل خاص، ذلك أن فرنسا لم تكتفي باستغلال الغضب الأمريكي و الضغط لأجل إطلاق سراح خُدَّامها في الجزائر، بل ضغطت على قصر المرادية عبر وزير داخليتها بكل ثقل، من أجل تعديل مشروع القانون الخاص بتجريم الاستعمار، ليتحول إلى صيغة لطيفة جدا، تسقط مطالب التعويض عن التجارب النووية تحت إسم “اليرابيع الزرقاء” و تسقط تعويض عائلات الشهداء عن جرائم فرنسا خلال حرب التحرير، و هذا القانون سيكون سندا لفرنسا كي تستمر في تنكرها و نفيها وقوع حرب تحرير في الجزائر، و تتبرأ من اقترافها الاغتيالات في حق المقاومة الجزائرية و جيش التحرير، و الأخطر أن القانون ألغى مطالب الحراك و الدستور الجزائري باعتذار فرنسا، و هذا القانون تمت الموافقة عليه داخل البرلمان الجزائري.
المقابل سيكون عودة الجزائر إلى العلاقات الطبيعية مع فرنسا للاستفادة من القبعة الفرنسية داخل الإتحاد الأوروبي و لتفادي المراقبة التي يمارسها حلف “الناتو” على التحركات العسكرية الجزائرية، و أيضا للاستعانة باللوبي اليهودي – الفرنسي – اليساري من أجل تلطيف الأجواء بين قصر المرادية و واشنطن… لكن لسوء حظ النظام الجزائري، فحتى النظام الفرنسي يعاني من مشاكل مع الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، و قد لا يُفيد النظام الجزائري كثيرا مع أمريكا، لكنه يستطيع تصحيح مسار العلاقات الجزائرية الأوروبية على الأقل، و هذا لن ينفع القضية الصحراوية في شيء، لكنه قد يُفيد الشعب الجزائري الذي أصبح يعاني من التضييق في الحصول على تأشيرات السفر إلى دول أوروبا.
لإبداء ارائكم و مقترحاتكم
كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك