Sahra Wikileaks Center
الصحراء ويكليكس يعمل على النهوض بالفعل الحقوقي بالمنطقة وذلك بإزالة كل شائبة عنه

صعود أحزاب اليمين في الانتخابات الأوربية يثير توجس النظام الجزائري و يخدم مصالح الرباط في أزمتها مع باريس … !!

بـقـلـم : بن بطوش

         أصبح من الصعب إعادة تدوير مشاعرنا لتتلاءم و ما ينتظرنا من أوجاع، و أصبح من المستحيل أن تجد مواطنا صحراويا لديه اعتقاد راسخ بأن قضيتنا باتت قريبة  من هدف الحصول على الوطن؛ لأن أبعد ما تمتلكه  قيادتنا من طموحات اليوم هو أن تُبقي القضية  قيد التداول… و فقط، حتى الكرامة لدى اللاجئ الصحراوي باتت مطلبا لا يناله سوى “الهنتاتة” و عائلاتهم الذين لا يضرهم نقص الحليب و المياه و الأدوية و الكزوار بالمخيمات…، ذلك أنه خلال اليومين الأخيرين ضجت مواقع التواصل بصور طوابير المياه في ولاية باتنة بدولة الحليف الجزائري، و بينما نحن نتفقد صور أساطيل الصهاريج التي تحركت من كل فج عميق في “مكة الثوار” و هبت لنجدة أهل باتنة من الموت عطشا…، تفاجئنا ضمن ذلك الأسطول بصور لصهاريج الشعب الصحراوي التي أمدتنا بها المنظمات التابعة للأمم المتحدة و المانحين الدوليين و الجمعيات الإنسانية.

         كانت تلك الشاحنات الصهريجية تسير بين أحياء باتنة بكل ثقة و ثبات، كجزء الأسطول الذي هبَّ ليروي عطش شعب باتنة، و السؤال هو ما تفكرون فيه الآن…؛ إذا كانت سكان  ولاية باتنة التي لا تبعد عن محطات التحلية في البحر الأبيض المتوسط بغير كيلومترات قليلة و على مرمى نظرة من السدود  و الحواجز المائية الجزائرية الكبيرة، يفتك بهم العطش و نذرة المياه، فكيف  هو حال أهالينا في مخيمات  تندوف ممن لا يشربون غير مياه تجلب في الصهاريج، بعد رحلة ملئ تدوم لساعات طوال، و قد تصل لأيام إذا صادفت عطلا تقنيا في محطات التزويد…، و هي  الصهاريج  التي  أرسلت اليوم  في مهمة قومية لإنقاذ شعب باتنة الذي يرى البيت الأصفر أن عطشه أرقى و أحق بالأولوية من عطش الشعب الصحراوي في أرض اللجوء !!؟

         و كما قلت في بداية هذا المقال، أنه و بسبب سياسة الحليف منذ محرقة المنقبين عن الذهب الـ 16، أصبح من الصعب تدوير مشاعر الشعب الصحراوي و ضبطها على الحب و التَّفهُّم و الوئام مع السلطات الجزائرية، التي أصبحت ترى أننا شعب من المستوى الرديء و أننا اقل مكانة من الغجر، و أن لنا قدرات تحمل تفوق قدرات الإنسان الجزائري الذي لا يصبر على العطش و الطوابير، و السبب في هذه النظرة أن قيادتنا الهرمة بالرابوني باعت ماء وجهها كله للنظام الجزائري، و أضحت بلا هيبة و بلا رأي و آخر همومها هو الإنسان الصحراوي الذي وجد نفسه تحت رحمتها، منساقا بشعارات  الثورة و التحرر و الكلام عن  العزة و الكرامة،  و الذي لم يعد له من دور  اليوم غير استخدام صوره و صور اللاجئين من الشيوخ و الأطفال من ذوي سحنات الفاقة و العوز  إلى المنظمات للحصول على المزيد من الصدقات الدولية.

         يقهرني هذا الوضع و يجعلني أتمنى أمورا غير عقلانية، لأن هذا الشعب الكريم، الذي أصبح مهانا من العدو و الحليف، لا يستحق هذا المصير، و ليت أوجاعه تعالج بالعقاقير و الحقن و الأدوية المعروفة…، لكنها أوجاع  باتت تشكل حمضنا النووي، و ما رأيناه حتى الآن لا يمكن قياسه مع ما ينتظرنا إن سارت خطة الرئيس الفرنسي “ماكرون”، كما وضعها رجال فرنسا العميقة، لتكرار دورة التاريخ و إعادة إنتاج حروب مدمرة قد تُغيِّر مستقبل البشرية كاملة؛ لأن صعود  الأحزاب اليمينية في  فرنسا، و على عكس ما جاء في الإعلام الرسمي الفرنسي، الذي نعى الخبر و كأنه انهيار عظيم لدولة تقود أوروبا بعد الخروج البريطاني الناجح من الإتحاد العجوز، … هذا الصعود المفاجئ  الذي أوصل اليمين إلى البرلمان الأوروبي  خلال الأنتخابات الأوروبية التي جرت خلال الأيام  الأخير (6-9 يونيو) لا يمثل مجرد ردة فعل شعبية غاضبة على نظام الحكم الحالي الفرنسي ، بل هو تكتيك سياسي جديد، من “فرنسا العميقة”، لإعادة بناء البلاد و إنتاج إتحاد أوروبي بقوميات متشددة، بعيدة عن الوصاية الأمريكية، لكي يكون للاتحاد الأوروبي المنشود المناعة الكافية و يستطيع مجابهة التمدد الروسي و ثورة المستعمرات القديمة في إفريقيا بتطبيق الحلول الراديكالية السهلة التي لا يمكن للأحزاب المعتدلة و الديمقراطية أن تتبناها.

         و حتى تفهم أيها القارئ الكريم ما جرى خلال الإنتخابات الأوروبية الأخيرة، سأرجع بك إلى ما قبل الحرب العالمية الثانية، حين عانت أوروبا من أزمات اقتصادية حادة تسببت في صعود القوميين المتمثلين في العسكريين، حيث أوصلت الأزمات الجنرال “دوغول” إلى السلطة في فرنسا، و “موسيليني” في إيطاليا، و “هتلر” الجندي المتمرد الذي عبر من بين الأحزاب ليسقط حكم “الرايخ”، و “فرانكو” في إسبانيا الذي جمد خلال حكمه النظام الملكي…، و بعد اكتمال أسباب الحرب اندلعت مقتلة الحرب العالمية الثانية، التي أعادت صناعة الخارطة السياسية للقارة العجوز، و اختفت منها دول بأكملها و ظهرت دول جديدة على مقاس النظام العالمي الذي أرادته أوروبا آنذاك…

         اليوم تتكرر الأزمة الاقتصادية العالمية و تغرق أوروبا في الغلاء و التضخم، و لأن القوميين اليمينيين لم يعودوا يثقون في  تكرار تجربة  حكم العسكر بأوروبا، فقد صنعوا لأنفسهم هيئات سياسية كاملة التمثيل، و برامجهم التي تصل حد العنصرية أصبح يتم ترويجها علنا و دون تحفظات، و الأخطر أن أوروبا اليمينية تبدو شبه موحدة ضد المهاجرين، و أصبحت الشركات الكبرى تدعم خططهم و تُموِّل معاركهم السياسية… و الرئيس الفرنسي “ماكرون” رأى في  هذه الوصفة اليمينية المتطرفة حلا سحريا لمشاكله الداخلية و الأوروبية و الأفريقية، و الأخطر أنه يريد  في الظرفية الحالية أن يحصل على حكومة يمينية بالمقاس الذي ينقذ سمعته السياسية مع الجارين اللدودين؛ الجزائر و المغرب.

         هناك من سيتساءل: كيف يمكن أن يلجأ رئيس ديمقراطي إلى خصومه المتطرفين من أقصى اليمين كي يحل مشاكله السياسية؟ !!! و هل يوجد رئيس عاقل يقبل بمثل هذه المغامرة…؟ !!!، الجواب هو أن الخبث الفرنسي عوّدنا على الحلول غير التقليدية لمشاكل فرنسا الغاضبة من خروج بريطانيا، التي تركت خلفها مشاكل أوروبية بالجملة، و تركت الأوروبيين وجها لوجه مع “بوتين”،… و  الرئيس الفرنسي “ماكرون” يواجه مقاومة داخلية عنيفة و لديه مشاكل اجتماعية لا يمكن وصفها في مقال أو حتى مقالين، و لذلك فهو يريد،   من خلال النتائج التي أفرزتها صناديق الإنتخابات الأوروبية الأخيرة ، تمرير الحلول السهلة التي يعشقها اليمين المتطرف،  بمعنى أنه يريد  “أن يأكل الشوك بأفواههم”، و من ضمنها تخفيف الضغط على المحفظة المالية الفرنسية بحرمان المهاجرين من الامتيازات الاجتماعية، و التقليل من فرص الحصول على الجنسية الفرنسية و التمهيد لحملة طرد للمهاجرين غير مسبوقة.

         الأكثر أن “ماكرون” يريد تغيير الدستور الفرنسي ليحصل على عهدة أخرى تكون استثنائية، و مبادرته حل البرلمان و إطلاقه لانتخابات سابقة لأوانها، لا يعني أن الرجل يريد محاربة اليمينيين، بل على العكس لأنه فتح أمامهم أبواب الجمعية العامة الفرنسية، و أراد لهم أن يستغلوا فترة قوتهم للحصول على الأغلبية التي تمنحهم تشكيل الحكومة، و يبدو أنه وصل إلى تسويات سرية مع اليمين الفرنسي لتحقيق ذلك و تمرير الإصلاحات الصعبة، و التي من ضمنها السياسة الخارجية لفرنسا و إصدار قرار نهائي بالانسحاب من إفريقيا جنوب الصحراء، و تحمل اليمين مسؤولية هذا القرار التاريخي، و أيضا يريد من اليمين أن يفتح جسر الحوار مع الحليف الجزائري عن  “اتفاقية إيفيان”، و أن يضغط على قصر المرادية بواسطة الأحزاب اليمينية دون أن يتورط “ماكرون” شخصيا في أي صراع مع النظام الجزائري،  خصوصا بعدما أعلنت “سونطراك” عن اكتشافات غازية جديدة ضخمة، و أيضا يريد “ماكرون”  التصالح مع الرباط  و الاستجابة لطلبها  بخصوص موقف واضح و داعم لها في ملف الصحراء الغربية، دون أن يكون له تدخل في القرار الذي ستتخذه الحكومة الفرنسية اليمينية بعيدا عن قصر الإليزيه.

          تكتل اليمين الفرنسي بقيادة” غورادان بارديلا”، رئيس “حزب التجمع الوطني”، و “ماري لوبين” ، زعيمة “الجبهة الوطنية”،  اللذان تصدرا النتائج بفرنسا خلال الإنتخابات الأوروبية الأخيرة، هو تكتل  مختلف عن اليمين في ألمانيا و إيطاليا؛ لأن الحقد الفرنسي اليميني على المهاجرين و نظرتهم الدونية للمستعمرات القديمة، و قناعتهم الجماعية بأن الجزائر أرض فرنسية بموجب عقد الشراء  الذي تم إبرامه مع السلطة العثمانية سنة 1830، و  هي حق للفرنسيين ضمن الحدود التي نص عليها العقد، حالها  في القانون الدولي كحال تلك الأراضي التي اشترتها أمريكا من المكسيك (تكساس) أو  روسيا  (سيبيريا)، و هو ما يؤكد مدى رغبة قصر الإليزيه تعويض خسائره الإفريقية من الجزائر، و وصول اليمين إلى السلطة سيجعل “ماكرون” في راحة مطلقة، عن تحمل تبعات قرارات صعبة، و سيكون الرجل أمام حلول سهلة ستعيد انتخابه في حال تمكن من تعديل الدستور الفرنسي، أو أنه سيمنح الرئاسة لشخصية معتدلة من خارج الاصطفافات اليمينية، عبر تزكية مرشح غير يميني، و بذلك تكون فرنسا قد نجت من موجة اليمين و حلت مشاكلها بوصفات غير تقليدية، و في حال فشل هذا المخطط…، ستكون أوروبا على موعد مع الكارثة.  

         المصيبة أن استقبال الرئيس الجزائري “عبد المجيد تبون” لعميد مسجد باريس “شمس الدين حافيز”، الذي يُلقب نفسه بـ “محامي القضية الصحراوية” بفرنسا، أراد به قصر المرادية استفزاز الرئيس “ماكرون”، مما يؤكد عدم فهمه لما يجري بأن فرنسا “ماكرون” حاليا ليست في حاجة إلى تصويت العرب و المهاجرين، و أنها تجهز لهم مصيدة القرن، و قد يكونوا كبش فداء سياسة إعادة إنتاج أوروبا التي لا تسع غير الأوروبيين… فقط.

             

 

لإبداء ارائكم و مقترحاتكم

[email protected]

 

كما يمنكم متابعتنا عبر صفحتنا على الفايسبوك

تعليقات الزوار
جاري تحميل التعاليق...

شاهد أيضا

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على هذا ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. موافقالمزيد